??ɠ???
موسى جرادات
وعندما يغيب الحياد ويحضر الإعلام الموجه ... قناة العربية نموذجا

تقوم قناة العربية منذ نشأتها على تكريس رؤية إعلامية خاصة تتميز بها عن باقي المحطات الإخبارية العربية، وهذا التمايز في الرؤية يعكس نفسه من خلال الخطاب الإعلامي الذي تقدمه اليوم. بحيث يمكننا القول أنها نجحت في ذلك، فالقناة تمتلك سياسة واضحة المعالم في تعاطيها مع الحدث العربي والدولي، ويمكن للمشاهد العربي تلمس معالم هذه السياسة المتبعة، فالحالة الإخبارية سواء كانت في نشرات الأخبار أو في البرامج السياسية، مادة عادة ما تكون قد تم تكييفها لصالح سياسات المحطة. فالخبر الصغير والهامشي يصنع منه حدثاً إعلامياً كبيراً، إذا كان هذا الخبر مندرجاً في الأولويات المتبعة لدى من يرسم سياسات المحطة ويوجهها.

 

إيران الشغل الشاغل

منذ أكثر من سنتين والخبر الإيراني هو الخبر الرئيسي في نشرات الأخبار، كذلك البرامج السياسية اليومية والأسبوعية، ومن شدة تكرار الخبر طوال نشرات الأخبار يتحول المشهد السياسي في إيران إلى مادة للتحليل والتدقيق، مع العلم أن مصادر أخبار قناة العربية عادة ما تكون مستندة إلى مواقع للانترنت غير معروفة، إضافة إلى ذلك يتم إحضار «الخبراء والمختصين في الشأن الإيراني»، وهم على الدوام يوافقون القناة رأيها ويؤكدون عليه، وغالباً ما يعالج الخبر الإيراني على قاعدة تعميق الأزمة الداخلية في إيران، والمتتبع للمسار الإعلامي الذي تسلكه القناة يجد أن السياسة الإعلامية في التعاطي مع الشأن الإيراني تقوم على مبدأ الإكثار من الأخبار الإيرانية الهامشية والصغيرة وجعلها مادة إعلامية تتداولها القناة طوال ساعات بثها.

 

الإعلام الموجه

بالرغم من إدعاء القناة الحيادية والموضوعية في نقلها للأخبار والأحداث، إلا أن هذه الموضوعية والحياد المفترض سرعان ما تنتهي عند حدود من يمتلكون القناة ويمولونها، فعادة ما يتم التعامل مع أخبار السعودية والخليج عموماً على قاعدة المسموح به مسبقاً، في حين يحضر الخبر الإيراني والسوداني واللبناني والفلسطيني، ويعرض ويقدم دون تحفظ، بل على العكس تذهب القناة في التعاطي مع هذه البلدان إلى أبعد مدى وذلك ضمن الرؤية المتبعة مسبقاً.

 

حرب تموز 2006

عمدت القناة أثناء تغطيتها لعدوان تموز على لبنان، على استضافة عدد كبير من المتخصصين في الشأن اللبناني وتعددت مواهب المتخصصين في الشأن العسكري إلى السياسي والاقتصادي، وجميعهم في بداية الحرب أكدوا على جملة من الثوابت، تقوم على أن المقاومة اللبنانية عاجزة عن مواجهة جيش الاحتلال حتى أن أحدهم سخر من الإمكانيات العسكرية للمقاومة اللبنانية، ومؤكداً في الوقت ذاته على قدرة جيش الاحتلال على الإجهاز عليها.

هذا المتخصص عاد وأطل منذ عدة أيام على شاشة القناة لمناقشة «مشروع القبة الحديدية» وفي تحليله أكد على أن جيش الاحتلال قد أتم بنجاح مشروع القبة الحديدية، وأصبح قادراً على تدمير صواريخ المقاومة اللبنانية قبل أن تصل إلى أهدافها. مع الملاحظة أن الخبراء المحايدين والخبراء العسكريين من دول الاحتلال شككوا في نجاح هذا المشروع. ومع هذا فإن المتخصص لدى قناة العربية – وبدون تحفظ – جزم بنجاح المشروع، وعلى ما يبدو أن هذا المتخصص أعلى علماً ومعرفة من نظرائه الغربيين.!!

 

 

العربية وفلسطين

بالرغم من أن قناة العربية تولي اهتماماً كبيراً في تغطية الحدث الفلسطيني، إلا أن هذه التغطية تشوبها الكثير من المغالطات، وتمتاز بأنها تغطية مجزوءة ومناصرة لطرف دون آخر. أما الحدث الفلسطيني في المواجهة مع الاحتلال، فإن القناة تمارس عقلانية منضبطة تسميها «الحياد» و «الموضوعية»، فالفلسطيني الضحية يجد نفسه في مرتبة واحدة مع الجلاد الإسرائيلي، ويندرج اسم الضحية في خانة قتلى الصراع، فاستخدام كلمة قتيل فلسطيني عند الحديث عن سقوط شهيد في المواجهة مع الاحتلال من قبل القناة، يكشف بوضوح عن الموقف الحقيقي الذي تتبناه من القضية الفلسطينية، فتحضر الرواية الإسرائيلية للحدث جنباً إلى جنب مع الرواية الفلسطينية، ويسمح لها بالتعبير عن نفسها ضمن فضاء العربية وبدون تحفظ.

 

العربية والبرامج السياسية

بانوراما، صناعة الحدث، واجه الصحافة، استديو بيروت، كلها برامج تغطي الأحداث السياسية التي تجري في المنطقة وتمتاز تلك البرامج المقدمة، بقدرتها على الإضاءة على الحدث الراهن من خلال رؤية تحليلية للبحث عن أسباب وخلفيات الحدث، وفي عملية البحث عن الحياد الإعلامي لصالح مواقف ثابتة ومتجذرة تطبع خلفية معالجة الحدث والإضاءة عليه. وقبل أيام استضافت الإعلامية اللبنانية جيزيل خوري في برنامج استدبو بيروت، منسقة الحملة الدولية لكسر الحصار عن غزة في لبنان سمر الحاج، التي ستقود السفينة مريم التي ستتوجه إلى غزة، مقدمة البرنامج طرحت الكثير من الأسئلة على السيدة الحاج وفي أغلبها أسئلة سياسية بامتياز، حيث غابت عنها أو غـُيّبت الأسئلة ذات المضامين الإنسانية التي دفعت تلك النسوة بالإقدام على هذا العمل، فمعظم تلك الأسئلة التي حملتها في جعبتها مقدمة البرنامج للسيدة الحاج، حول أهداف رحلة السفينة مريم هي أسئلة في مضامينها استنكارية بل تقول على الادعاءات الإسرائيلية، اتجاه من يقف خلف السفينة؟ والأسئلة المباشرة: ما هي علاقتك بحزب الله؟

وعلى الرغم من النفي المتكرر من قبل الحاج إلا أن المقدمة عادت وطرحت نفس الأسئلة، بل زادت على ذلك بالقول أن هناك نساء من حزب الله على متن السفينة مريم وسيعملن على تفجير أنفسهن بجيش الاحتلال عند اعتراض السفينة، ولم ننسى مقدمة البرنامج القول أن الإسرائيليين يقولون ذلك.

ومقدمة البرنامج  السيدة خوري تعرف جيداً النساء اللواتي سيتوجهن بهذه الرحلة ومعظمهن زميلات لها ويعملن بالشأن الإعلامي. وختمت مقدمة البرنامج حوارها بالطلب من السيدة الحاج الذهاب عبر معبر رفح لتقديم المساعدة لغزة، بدل الذهاب في السفينة.

وعندما يغيب الحياد ويحضر الإعلام الموجه، تبقى هناك أسئلة كثيرة برسم هذا الإعلام: هل حقاً هذا النوع من الإعلام قادر على النجاح، وما هي مضامين هذا النجاح؟! أم أن هذا الإعلام قد قطع شوطاً كبيراً وتخطي معايير العمل الإعلامي، وهو بالتالي لا يكترث لجمهوره، فهم ليسوا إلا مادة له، يلقون رسائله الإعلامية دون قراءة وتحليل!!.

كل تلك الأسئلة بالتأكيد ما تزال غائبة عن أعين العربية، التي ترفعه شعاراً لها.

 

 
 

 

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½

2003-2007