??ɠ???
جمال محمد تقي
كان للعراق جيش هو سور للوطن واليوم لكل ـ مكون ـ سور !

في 6 كانون الثاني من كل عام يتذكر العراقيون وبفخر عيد جيشهم الذي يعتبر المدرسة الأولى للوطنية العراقية وتجسيداً لهويتها الحداثية العابرة للقبلية والطائفية والمناطقية والإثنية ، جيش العراق المشبع بعقيدة الدفاع عن حدود البلاد وصون كرامة العباد ، هكذا هو ، ولهذا كان هو المستهدف الأول من أعداء العراق وعلى مر العقود ، ومنذ تأسيسه عام1921 بفوج موسى الكاظم وحتى تصيره كمصنع لتخريج الكفاءات وتربية الأجيال بخدمة العلم والانضباط بأداء الواجبات العسكرية أو عند الحاجة المدنية إليه حيث يهب كأول المبادرين للإنقاذ في حالات الفيضان والأوبئة وإقامة المشاريع الكبرى التي تتطلب الأيادي العاملة المنضبطة ـ مشاريع الري وكري الأنهار ـ  وحتى صدور قرار حله من قبل الحاكم المدني الأمريكي بول بريمر بعد 9 نيسان 2003 !

قوة برية وجوية وبحرية وصاروخية عريقة يشهد لها الأعداء قبل الأصدقاء ، جيش كان حصنا منيعا ورادعا لأي عدون غاشم من الطامعين والمستعمرين والصهاينة المعتدين ، شارك في حرب فلسطين وأبلى بلاءً ومازالت شواهده قائمة فيها ، شارك في كل الحروب النظامية ضد عدوانية واحتلالية الكيان الصهيوني ، ومدافعاً عن القضايا القومية.

داخليا لعب الجيش العراقي دورا مهما في تسريع عملية انتزاع السيادة الكاملة من الاحتلال البريطاني ، وقد دخل بحرب فعلية مع القوات البريطانية في أيار 1941 ورغم خسارته لتلك الحرب لكن تداعياتها جعلت الانكليز يخففون من قبضتهم على الحكم في العراق ، لم يكن جيشنا مستجيبا لدعوات زجه في مواجهة غضبات الشعب ، بل كان متحفزا للنيل من المستبدين بأمره ، وفعلا كان للاستعراض به أمام الجماهير المنتفضة في أعوام 52 و54 و56 دور لا يستهان به في إيقاظ المشاعر المعاكسة المنحازة لصفوف الشعب ، وكانت ومنذ تلك السنوات تدب بين صفوف مختلف رتبه تحركات لتنظيم عسكري سري يخطط للإطاحة بالنظام الملكي وينهي والى الأبد التبعية لسياسات ـ أبو ناجي ـ وهي كنية عراقية يقصد بها بريطانيا العظمى ، فانتشرت خلايا الضباط الأحرار في أهم المعسكرات ومواقع التدريب والكليات ، وكان تفجر ثورة 14 تموز 1958 تتويجاً ناجحاً لكل سنوات التحضير والتخطيط !

حققت الثورة أهدافاً عظيمة كانت تتطلع إليها الأكثرية الساحقة من العراقيين، وكان لثورة 23 تموز المصرية عام 1952 بقيادة الزعيم الخالد جمال عبد الناصر إثرها الريادي في مساعي ضباط ثورة العراق وإقدامهم !

لم يع العسكر وقتها أن الثورة إذا لم تكتس بحكم مدني يحترم الحريات العامة ويشيع الحياة الدستورية التي تؤسس لحكم المؤسسات والتي تحافظ على كينونة الدولة حتى لو تغيرت الحكومات ومن دون أن ينال تغيرها من استقرار الدولة بشقيها السياسي والمدني ، الرسمي والشعبي ، لقد استسهل العسكر القفز من قطار الثورة إلى الدولة بحيث جعلوا أبوابها مفتوحة على ـ ثورات ـ  هي في جوهرها انقلابات عسكرية فوقية تعكس صراعا حثيثا على السلطة !

إن حداثة التجربة التاريخية وطبيعة الصراعات العالمية والمزاج العام وضعف خبرة الأحزاب السياسية وبكرية التنظيمات النقابية والشعبية وكثرة التحديات جعلت من الاستثناء حالة مستساغة وكأنها هي القاعدة !

ما يهمنا هنا هو التقييم الموضوعي لدور الجيش في الحياة السياسية العراقية ، فليس هو وحده من يتحمل مسؤولية التحولات الدراماتيكية التي عاشها العراق منذ 14 تموز 58 مرورا بثمانية شباط 63 و18 تشرين 63 ، ثم الانقلابات الفاشلة المتتالية حتى 17 تموز 1968 وما تلته من أحداث وتطورات متتالية انقطعت باحتلال العراق مجددا وتدمير دولته وجيشه ـ كما يزعم البعض ـ  والدليل أن هناك قوى أخذت اليوم تعتمد على مليشياتها لفرض أجندتها السياسية ، أي أنها إن وجدت فرصة لاستغلال الجيش لتنفيذ مأربها لفعلت !

ليس الجيش العراقي الأصيل هو المسؤول عن النتائج المدمرة التي يعيشها العراق منذ احتلاله وحتى الآن وهي فترة ليست بالقصيرة ـ سبع سنوات ـ ليس الجيش مسؤولا عن العمل الجاري لبناء عراق مفخخ وببرمجة أمريكية قادرة على تفجيره من الداخل متى شاءت ، إن الأحزاب السياسية العراقية والقوى الفاعلة في المجتمع بما فيها الطبقة المثقفة كلها شريكة ، بل هي من ساهم في تطبيع مسلك الاعتماد على الجيش لحل خلافاتها الثنائية وترحيل نزعة التصارع والإقصاء والاستحواذ إلى صفوفه !

كان عبد الكريم قاسم يردد دوما بان الجيش فوق الميول والاتجاهات وهو صادق بما يعنيه ، لكنه أيضا انحدر للعب بالميول والاتجاهات حتى راح  نفسه ضحية مغدورة لهذا اللعب الذي لم يكن له طائل ، كان منتسبو الأحزاب العقائدية في الجيش يتطلعون ليكونوا أبطالا للإنقاذ ، وهذا ما يعكس قصر نظر تلك الأحزاب والتي كانت تصر على اعتبار الجيش ميدانا حاسما لتحقيق تطلعاتها نحو السلطة !

اليوم وفي العراق ـ المحررـ أمريكيا لكل مكون جيش هو سور له ـ للشيعة بدر وجيش الصدر وللكرد البيشمركة وللسنة الصحوات ـ  وحتى أن يقضي الله أمرا كان مقضيا فان هناك توافقاً على تكوين تشكيلات مشتركة تحل محل الجيش القديم وبنسب متفق عليها ، وهكذا الحال بالنسبة لنظام القبول بالكليات والمعاهد العسكرية الموروثة من الجيش السابق !

جيشنا اليوم بدون خدمة إلزامية وبدون عقيدة وطنية وبدون مهنية ، أما الأقليات ـ التركمانية والمسيحية والصابئية والشبكية واليزيدية ـ فهي قد حرمت بشكل يكاد يكون كلي من أن يكون لها حصة ما في هذه التشكيلات العسكرية الأساسية المستحدثة ، علما إنها كانت حاضرة وبقوة في تركيبة الجيش العراقي السابق بسبب من المهنية العالية التي كان يتمتع بها من ينتسب للجيش منها ، وبسبب من إلزامية التجنيد والاحتياط  العام الذي يشمل الجميع !

 كان الجيش العراقي  في السابق يساند القوات المحلية  ـ الأفواج الخفيفة ـ  التي شكلتها دوائر خاصة في وزارة الدفاع  لملاحقة قوات البيشمركة الكردية المدعومة من قبل إيران وإسرائيل وشركات النفط الاحتكارية ، والتصدي لأعمالها التخربية ، وهذه الأفواج تتكون من مقاتلين أكراد يسعون لاستتباب الأمن والسلام في مناطقهم لتكون مشمولة بخطط التنمية والاعمار !

نعم كان لنا جيش هو سور للوطن واليوم لدينا جيش مسور بعقيدة المكونات الطاردة لعقيدة الوطن والمحللة لعملية تفسخه !

 

 
 

 

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½

2003-2007