i
       

 

 

 

 
??ɠ???
وليد عبد الرحيم
الجبهة الشعبية ثقافةً

يبدو الأمر في عنوانه تملقاً أو تعصباً، فهل هناك ثقافة خاصة بالجبهة الشعبية التي احتفلت باثنين وأربعين عاماً من مسيرتها دون أن تحقق تميزاً كبيراً على صعيد المنجز الفلسطيني، أو حتى الحزبي ، وهل هناك ما يدعو للتملق لهذا الفصيل أو ذاك في الوقت الذي تبدو فيه الصراحة والنقد الواضح والعلني لكافة التيارات الفلسطينية مرساة النجاة من الوضع القائم؟!

مما لا شك فيه ، أن الجبهة الشعبية أخطأت أخطاءً جسيمة عليها مراجعتها ،أخطاءً تنظيميةً وسياسية ، ومن أهم هذه الأخطاء مثلا تراجعها عن مقدمة قيادة العمل الوطني الفلسطيني؟، والذي هو بحد ذاته اتهام شعبي ونخبوي فلسطيني وعربي لها، سواء ممن يؤيدونها أو يعارضونها، أنصارها أو غيرهم ، وهو أمر بحد ذاته يوضح الأهمية التي يوليها الجميع لهذا الفصيل الذي بات حاله كسائر الحالة الفلسطينية يغيظ العدو أحيانا لكنه لا يسر الصديق أبدا، ذلك أن من يطرح نفسه بشكل مميز منذ نشأته لا بد أن يتحمل خلال مسيرته بكافتها المسؤولية الأكبر، والشعبية طرحت نفسها منذ البداية- كما يجمع الفلسطينيون- كفصيل مميز وصمام أمان رئيسي وأول للوحدة الوطنية والاستمرار في النضال حتى النهاية، النهاية في استرداد كافة الحقوق الفلسطينية، بل وإعادة فلسطين برمتها إلى طبيعتها التي نشأت عليها منذ ستة آلاف عام خلت من خلال تحقيق ثقافة وروح مشاركة قومية عربية، كما لم تكترث منذ البداية بالمحاصصة والمكتسبات الضيقة، فجعلت من المصلحة الكبرى مقدمة لمسارها وخطابها، حتى أن البعض اتهمها بالعدمية والسلبية في كثير من محطاتها خصوصا عندما غردت مرارا خارج السرب الفلسطيني المتنفذ  فيما يخص الدعم المالي أو الاحتجاج على سياسة الرئيس الراحل أو مقاطعة اللجنة التنفيذية للمنظمة، ومؤسساتها احتجاجا على موقف سياسي أو خطوة رأت أنها تشكل خطراً على القضية الفلسطينية، لكن من اتهما ومن أيدها اتفقوا جميعا على أن هذا الفصيل لم يبع قناعاته مرة واحدة في تاريخه، على الرغم من عشرات العروض والمغريات الفلسطينية والدولية والعربية كي يبيع هذا الفصيل نفسه،

لقد أدى التمسك بالقناعات الوطنية والقومية، وعدم قبول الرشاوى،أو الرضوخ للضغوط ،  واحترام الوحدة والدم الفلسطيني إلى هذا التقدير الذي نراه من قبل الشعب الفلسطيني والأمة العربية، فما هو الأمر الذي أدى إلى ذلك؟

في الواقع ، كان المؤسسون الأوائل لحركة القوميين العرب ومن ثم الجبهة الشعبية يتمتعون بشخصيات ذات مصداقية عالية، خصوصاً الدكتور جورج حبش، الذي تميز منذ الخمسينات بشخصية فريدة، بكل صراحة لم نعد نراها اليوم بين القيادة الفلسطينية برمتها، ويسأل المرء نفسه : ترى لماذا كل هذا الاحترام سواء من أهل السياسة أو الشعوب العربية أو الفنانون والمثقفون، وما الأمر الذي فعله الرجل ليستحق كل هذا، مع العلم أنه لا هو ولا جبهته عرف عنها تقديم مميزات أو مخصصات للولاءات بل كانت ولازالت رواتب ومميزات أعضاء الشعبية نفسها هي الأقل بين الفصائل، حتى أن المميزات الشخصية تكاد تنعدم بشكل مزعج أحيانا، وهي لا تقدم على شراء التأييد والأقلام.

ببساطة الجواب هو أن الجبهة الشعبية وعلى رأسها جورج حبش لم تؤمن يوما بشراء التأييد و لم تبع قناعاتها يوما، وعلى الرغم من أخطائها الجسيمة والصغيرة بقيت على حالها من حيث وجودها الثقافي والسياسي في الشارع العربي والفلسطيني، لأن هذا التراجع وتلك الأخطاء بنيت على مسيرة عمل تصيب وتخطئ ولم تبن على مصالح فئوية أو حزبية أو مكاسبية، الأمر هنا كما ينظر إليه كأن طبيبا أجرى عملية جراحية فلم تنجح أو نجحت ولكن بأقل من المطلوب، لكن الطبيب في كل الأحوال بذل جهده بإخلاص.

من هنا نستدرك أن ثقافة العمل الجاد والصادق التي شهدت ظهوراً وخفوتاً هي ما ميزت الجبهة الشعبية ولهذا فان المراحل التي مرت بها سواء في صعود أو خفوت نجمها لم تبد مختلفة بمعنى الحضور الفكري والثقافي ، فلا يشعر المتابع بفارق كبير بين وضعها أثناء فترة البحبوحة المالية مثلاً والتراجع الكبير الذي شهدته منذ الثمانينات وحتى اليوم ، وهذا لا يعني في كل الأحوال إلوهية هذا الفصيل

الثقافة التي كرستها مرحلة التأسيس على الرغم من أنها بدت آنذاك انفعالية ومتسرعة- وكان فيها شيء من هذا القبيل- إلا أنها كانت ثقافة وفكر مصداقي حمله رواد مميزون ، لنلاحظ من كان هؤلاء، جورج حبش وديع حداد، ابو علي مصطفى وغيرهم ، بعضهم لا زالوا احياء ، كانوا جميعهم أصحاب مشروع ينبض بالروح الثورية والحياة والعمل، وديع حداد قضى اغتيالاً بعد مسيرة شجاعة في قيادة العمليات، غسان كنفاني شكل خطراً فكريا وثقافيا كبيراً على الصهيونية فاغتالوه، أبو علي مصطفى أصر على دخول فلسطين على الرغم من معارضته الشديدة للاتفاقيات الموقعة والتي أتاحت له الدخول لأسباب رآها ذات جدوى في إعادة ترتيب الوضع النضالي الفلسطيني ومجموعات المقاومة، وقد قيل له آنذاك ما قيل، عن الخطر على حياته أو اعتقاله، كما انتقد بحدة على طريقة دخوله من عدة أصوات لكنه أصر على موقفه حتى استطاع شارون تحقيق أهم رغبة لديه وهو قتل واغتيال واحد من أهم صانعي المقاومة في الضفة الغربية وقطاع غزة قبيل احتلالها عام 1967 ، والدلائل تشير أن أبا علي كان يدرك إمكانية حدوث مقتله منذ البداية لكنه أراد كسب الوقت لتحقيق ما يريد حتى تحين لحظة المنية، وجورج حبش الذي مات قهراً بعد عدة جلطات سببتها التوترات والمآسي الفلسطينية الداخلية والخارجية التي ملأت روحه وعقله بالقهر، حتى أن استقالته الفريدة من نوعها في هذا الزمان الفلسطيني والعربي لم تشف صدره من القهر فاغتاله ضعفنا وتشرذمنا وتراجعاتنا القاتلة،

والأمين العام الحالي أحمد سعدات الذي ضرب مثلا في تحدي الجلاد إلى جانب وعي وطني عال السوية حتى عندما سجنه وحاكمه الرئيس الراحل ياسر عرفات لم يقل فيه كلمة ذم على الرغم من أنه حتى لو قالها لتفهمه الجميع بمن فيهم عرفات، لا نقول بأن هؤلاء كانوا آلهة أيضاً أو أنبياء لكن أخطاءهم تُشفع بسبب اكتناز مسيرتهم بالايجابيات التي تحققت كما السلبيات التي ارتكبت بقصد هدف وغاية وطنية وقومية ، فهم كرسوا حالة ثقافية راسخة مفادها عدم اللعب بالمصلحة الوطنية والقومية والثوابت لغايات ضيقة الأفق والمعنى، هذا الأمر الذي نستشعر مدى أهميته اليوم في الوسط الفلسطيني والعربي حيث آلت الأمور إلى ما آلت إليه، حتى أن الجبهة الشعبية اليوم مطالبة بالعمل على إعادة الروح السياسية والثقافية الفلسطينية إلى مربع النقاء السياسي والوطني وهي مطالبة بإلحاح شعبي ونخبوي  بالعمل على هذه المسألة بل ومتهمة بالتقصير والركون إلى حالة الضعف تحت مبررات واهية كالتراجع القومي والوطني العام والضعف الحزبي والأزمة المالية وغيرها، هذا الأمر الذي برز في غالبية المقالات التي كتبتها النخبة الفلسطينية والعربية في ذكرى تأسيس الشعبية، ولدى هؤلاء حق بين في هذا الخصوص بمن فيهم الذين عبروا عن استيائهم بعبارات قاسية، فقد مرت الشعبية بظروف أشد من هذه التي نشهدها ولم تقل يوماً المبررات التي نقولها اليوم مما يعني أن خطأً كبيرا حدث ولا زال مكمنه خاص وأسبابه وطبيعته عامة ، وعلى الجبهة الشعبية إعادة ترتيب روح السياسة الوطنية الفلسطينية بمفردات وأساليب متطورة عن تلك التي استخدمتها في السابق والتي تستخدمها اليوم، إن الأمر الواقع فريد من نوعه وغريب  وربما طريف أيضاً فالجبهة الشعبية تحظى بأوفر حظ في احترام الفلسطينيين والعرب شعوباً ونخبة، لكن حجمها التنظيمي والسياسي في الوقت الراهن لا يذكر قياسا بذلك ، فأين الخطأ، ألا تدرك الجبهة الشعبية مدى سعة تأييدها واحترام الجماهير والنخبة لها، بل هي تدرك ذلك، فقد اختبرت الأمر في الانتخابات الرئاسية عندما تحالفت مع المرشح مصطفى البرغوثي، آنذاك عرضت الفضائيات العربية والعالمية شرائح عدة من الناخبين قرابة نصفهم عبروا عن سخطهم من تراجع الجبهة الشعبية ونكوص التيار القومي واليساري بشكل غير مقبول ، امرأة فلسطينية مسنة في قلقيلية قالت إنها تؤيد الشعبية لكنها انتخبت مرشحا آخر نكاية بالشعبية، هل رأى القادة والكوادر ذلك، وهل لازالوا يذكرون معناه، نتمنى ألا نضطر في السنة القادمة أن نورد هذه العبارات القاسية، حتى ترتاح على الأقل أرواح مئات آلاف الشهداء ، وحتى يذهب الفلسطينيون وقضيتهم على سكة كفاحية صائبة ، وتسحق فكرة سائدة اليوم وهي أن الدم الفلسطيني مباح في سبيل هذا أو ذاك، و تتصوب أمور أخرى أيضاً
 
 

 

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½

2003-2007