|
في الواقع ، كان المؤسسون الأوائل لحركة القوميين العرب ومن ثم الجبهة الشعبية
يتمتعون بشخصيات ذات مصداقية عالية، خصوصاً الدكتور جورج حبش، الذي تميز منذ
الخمسينات بشخصية فريدة، بكل صراحة لم نعد نراها اليوم بين القيادة الفلسطينية
برمتها، ويسأل المرء نفسه : ترى لماذا كل هذا الاحترام سواء من أهل السياسة أو
الشعوب العربية أو الفنانون والمثقفون، وما الأمر الذي فعله الرجل ليستحق كل هذا،
مع العلم أنه لا هو ولا جبهته عرف عنها تقديم مميزات أو مخصصات للولاءات بل كانت
ولازالت رواتب ومميزات أعضاء الشعبية نفسها هي الأقل بين الفصائل، حتى أن المميزات
الشخصية تكاد تنعدم بشكل مزعج أحيانا، وهي لا تقدم على شراء التأييد والأقلام.
ببساطة الجواب هو أن الجبهة الشعبية وعلى رأسها جورج حبش لم تؤمن يوما بشراء
التأييد و لم تبع قناعاتها يوما، وعلى الرغم من أخطائها الجسيمة والصغيرة بقيت على
حالها من حيث وجودها الثقافي والسياسي في الشارع العربي والفلسطيني، لأن هذا
التراجع وتلك الأخطاء بنيت على مسيرة عمل تصيب وتخطئ ولم تبن على مصالح فئوية أو
حزبية أو مكاسبية، الأمر هنا كما ينظر إليه كأن طبيبا أجرى عملية جراحية فلم تنجح
أو نجحت ولكن بأقل من المطلوب، لكن الطبيب في كل الأحوال بذل جهده بإخلاص.
من هنا نستدرك أن ثقافة العمل الجاد والصادق التي شهدت ظهوراً وخفوتاً هي ما ميزت
الجبهة الشعبية ولهذا فان المراحل التي مرت بها سواء في صعود أو خفوت نجمها لم تبد
مختلفة بمعنى الحضور الفكري والثقافي ، فلا يشعر المتابع بفارق كبير بين وضعها
أثناء فترة البحبوحة المالية مثلاً والتراجع الكبير الذي شهدته منذ الثمانينات وحتى
اليوم ، وهذا لا يعني في كل الأحوال إلوهية هذا الفصيل
الثقافة التي كرستها مرحلة التأسيس على الرغم من أنها بدت آنذاك انفعالية ومتسرعة-
وكان فيها شيء من هذا القبيل- إلا أنها كانت ثقافة وفكر مصداقي حمله رواد مميزون ،
لنلاحظ من كان هؤلاء، جورج حبش وديع حداد، ابو علي مصطفى وغيرهم ، بعضهم لا زالوا
احياء ، كانوا جميعهم أصحاب مشروع ينبض بالروح الثورية والحياة والعمل، وديع حداد
قضى اغتيالاً بعد مسيرة شجاعة في قيادة العمليات، غسان كنفاني شكل خطراً فكريا
وثقافيا كبيراً على الصهيونية فاغتالوه، أبو علي مصطفى أصر على دخول فلسطين على
الرغم من معارضته الشديدة للاتفاقيات الموقعة والتي أتاحت له الدخول لأسباب رآها
ذات جدوى في إعادة ترتيب الوضع النضالي الفلسطيني ومجموعات المقاومة، وقد قيل له
آنذاك ما قيل، عن الخطر على حياته أو اعتقاله، كما انتقد بحدة على طريقة دخوله من
عدة أصوات لكنه أصر على موقفه حتى استطاع شارون تحقيق أهم رغبة لديه وهو قتل
واغتيال واحد من أهم صانعي المقاومة في الضفة الغربية وقطاع غزة قبيل احتلالها عام
1967 ، والدلائل تشير أن أبا علي كان يدرك إمكانية حدوث مقتله منذ البداية لكنه
أراد كسب الوقت لتحقيق ما يريد حتى تحين لحظة المنية، وجورج حبش الذي مات قهراً بعد
عدة جلطات سببتها التوترات والمآسي الفلسطينية الداخلية والخارجية التي ملأت روحه
وعقله بالقهر، حتى أن استقالته الفريدة من نوعها في هذا الزمان الفلسطيني والعربي
لم تشف صدره من القهر فاغتاله ضعفنا وتشرذمنا وتراجعاتنا القاتلة، |