|
جواد عقل
المحظور الذي طرحه
الأستاذ أيمن أن البعض في المنطقة يحاول أن يجعل من هذا الفعل التضامني العالمي
فعلاً محلياً، وذا طابع استعراضي، وأعتقد بأن أحد المشاركين في اللجنة الدولية لكسر
الحصار تكلم حول هذا الموضوع بوضوح، وهو يوناني وقال: «أحذركم أن سفن كسر الحصار
يجب أن يكون طابعها غربياً وليس عربياً». وهذا المحظور مطروح وبشدة خاصة فيما يتعلق
بسفينة مريم، وسفينة ناجي العلي، والتهديدات التي تطلقها القيادة الصهيونية حول
طريقة التعامل مع هذه السفن باعتبار أن إسرائيل تصرح بأنها خففت الحصار، فلماذا هذه
السفن؟ وبالتالي ستتعامل معها على أنها سفن معادية.
سعيد البرغوثي
أريد الوقوف قليلاً
عند بعض التعابير التي يجب أن نبقى حذرين أمامها، منها التحدث عن غياب الدور الغربي
الذي لم يكن غائباً، بل كان منحازاً إلى إسرائيل بشكل رسمي. أما الفعاليات الشعبية
فقد كانت موجودة بشكل أو بآخر، موضوعة التضخيم يجب أن يؤخذ بسياقها وزمنها، فأمر
طبيعي أن يكون هناك ما يشبه الدور التركي الجديد بعد أن كان منخرطاً حتى الأذنين مع
المشروع الصهيوني. هناك مناورات مشتركة وشراء أسلحة وتطوير أسلحة.
من هنا بدأنا نتلمس
حدوث تحول في الموقف التركي وهذا التحول إذا صح التعبير يجب أن نطرب له بعد أن كان
منخرطاً مع المشروع الصهيوني.
الموقف التركي يستحق
التقدير، يستحق أن نقف بجانبه وأن ندعمه ويستحق أن نعمل على تطويره أيضاً، وأن
نبتعد عن التشكيك أرى أن هذا موقف تركي نبيل. وأخشى أن نقع في مطب الحديث عن حصار
غزة فقط، وألا نرى الضفة محاصرة أيضاً. ويجب ألا نقع في مطب التحدث عن فك الحصار
وأن نغفل عن ناحية هامة جداً وهي الأساس في الموضوع الذي هو الاحتلال. وأرى أن هناك
عدة حوارات يجب أن يُعمل عليها فعلاً ضمن رؤية إنهاء الاحتلال، لأن إنهاء الاحتلال
سينهي الحصار عملياً.
والخطاب الآخر يجب
أن يوجه إلى الجانب الشعبي العربي، لأن الجهات الرسمية شبه ميؤوس منها، وأدعو إلى
إحياء المنظمات الأهلية العربية لتلعب دورها بشكل حقيقي ومستقل عن سياسات الحكومات
العربية السائدة.
أكرم إبراهيم
من الممكن أن نكون
متفقين على أن ما حدث قد فتح ثغرة داخل هذا الفراغ الذي نعيشه سواء على الصعيد
العربي أو الدولي.
أما عن كيفية
التضامن الدولي مع الشعب الفلسطيني فأعتقد – وللأسف – أننا لم نرتق ولم نصل
بفاعلياتنا المدنية إلى مستوى دولي أو حتى عربي لكي تتوازى مع الفعل الثقافي
الغربي، وهذه تعد إحدى نقاط الخلل التي تعترينا كفلسطينيين ويبدو أننا نعرف
سلبياتنا وثغراتنا ولكننا لا نعمل على تجاوزها..
وما حدث يظهر الدور
التركي، فهل حجم هذا الدور هو الحجم الحقيقي الذي أعطاه الشارع العربي له، أم لا؟
لأنني أعتقد أن الشارع العربي يسوده نوع من وعي الهزيمة والتي تكرست بفعل الإخفاقات
السياسية العديدة وعلى رأسها السياسة الفلسطينية. فالشارع العربي التف حول الاشتباك
الذي حدث في عرض البحر، وهذا الاشتباك – للأسف – مفقود على الساحة الفلسطينية.
فلماذا الإسرائيلي يوسع مجاله الجغرافي بينما نحن ينحسر داخل غزة والضفة!!
أعتقد أن الفعل
السياسي الفلسطيني وصل إلى مستوى جعلنا نبحث عن قوة تاريخية، قوة ثالثة بكل معنى
الكلمة.. مدنية؟ ما شكلها؟ ما دورها؟ هل هي قادرة على الفعل مع الآخر الغربي؟
خالد أيوب
إسرائيل تلاعبنا على
المكشوف، فهي ليست مكترثة بأي شكل من أشكال القوانين الدولية، فقد تعمدت أن تقتحم
الأسطول في المياه الدولية ليس غباءً، فهي عملية مقصودة تماماً.
والواقع الدولي
المتعلق بما حدث، لم ندرس ارتداداته أبداً، بمعنى أن تركيا فقدت دورها في الحلف
الأطلسي، وهي الآن تبحث عن إعادة إنتاج دور لها كما في السابق ً في مواجهة المعسكر
الاشتراكي السابق. لم تعد تركيا دولة مهمة لدى الحلف الأطلسي، فاضطرت إلى أن تسعى
بنفسها لخلق واقع جديد يتناسب وظروف الحالة الدولية الجديدة.
وكان هناك تناغم في
المواقف بين تركيا وإسرائيل في مواجهة الاتحاد السوفياتي السابق، أما الآن – بنظري
– فلا يوجد مبرر لوجود تركيا بين هؤلاء، فالعلاقات اختلفت لأن دور إسرائيل اختلف
لأنها الآن في إطار الاستعداد لتتشكل وفق متطلبات الدور الثاني المناط بها بمعنى
انهيار إسرائيل القديمة، ووجود إسرائيل الحديثة.
وليد عبد الرحيم
أود أن أركز على ما
اعتبره النقطة الأهم: ماهية وهدف هذا التضامن؟ ومن يقوم بهذا التضامن؟
التضامن مع شعب تحت
الاحتلال يأتي من مصادر متضامنة أخرى وليس من الواقع تحت الاحتلال، سواء كان دولاً
أو أفراداً أو منظمات أهلية، مثل حركات التضامن عبر التاريخ التي كانت تتوجه من
مناطق جغرافية إلى مناطق جغرافية أخرى. وبالتالي نحن غير معنيين مباشرة، أو يفترض
ألا نكون معنيين بما حدث ولا حتى أن نرتب هذا الموضوع نتيجة للاستفادة السياسية
الفلسطينية الداخلية (سلطة الضفة وسلطة غزة). وكأن هناك دولتين وحكومتين
فلسطينيتين. فهم التضامن الدولي هو أهم من كل ما يقال بخصوص تركيا أو غير تركيا.
حقيقة يوجد صراع
داخلي في تركيا بين أردوغان والعسكر، تم تصدير هذا الصراع بهذه الطريقة، ولذلك فإن
ردات فعل شريحة من العسكر أكدت على أنها متمسكة أكثر بعلاقاتها مع إسرائيل. وكلكم
تعلمون أنه يوجد مناورات عسكرية بين الطرفين وهذا أثناء فترة حكومة أردوغان، فنحن
يجب ألا نعوّل كثيراَ على هذا الدور. فتركيا هي عضو في حلف شمال الأطلسي، وهي تسعى
لمقعد في الاتحاد الأوروبي، وما تفعله حكومة أردوغان هو سُبل ضغط ذكية للحصول على
مكتسبات قومية تركية – وهذا حقهم طبعاً – ولكن أين هي خطواتنا للحصول على مكتسباتنا
القومية؟ أو بالمعنى الضيق حتى على مكتسباتنا الوطنية الفلسطينية؟
علي الكردي
لا يمكن فهم تداعيات
حدث الجريمة الإسرائيلية على أسطول الحرية بعيداً عن الصخب الإعلامي للحدث، إلا
بالعودة إلى الأبعاد الإستراتيجية للصراع الجيو سياسي للمنطقة الممتدة من الشرق
الأدني حتى آسيا الوسطى التي يطلق عليها اسم «قوس الأزمات».
مع الغياب العربي..
وغياب المشروع العربي عن السياسة برزت إيران كقوة إقليمية تصارع من أجل مصالحها
والاعتراف بدورها ونفوذها، وبرزت تركيا كقوة إقليمية أيضاً ناهضة (عسكرياً
واقتصادياً) وقدمت نفسها بأشكال مختلفة للعب دور ما في ملء هذه الفراغات.. وبطبيعة
الحال إسرائيل هي قوة إقليمية استثنائية ومعتمدة من قبل الولايات المتحدة والغرب
الذي يدعمها بكل الوسائل.
هذه القوى الإقليمية
الثلاث باتت برأيي تتصارع على ملء الفراغات والنفوذ في المنطقة على الرغم من اختلاف
الأساليب والأدوات فيما بينها، لا سيما في ظل مصاعب القطبية الأمريكية الأحادية،
وسياسة القوة التي كان تتبعها في المنطقة، وفي ظل انشغالها بإعادة ترتيب أوضاعها في
عهد أوباما، الأمر الذي أفسح المجال أمام الانزياحات التي تظهر في سياسات القوى
الإقليمية التي تبدو وكأنها شكل من أشكال التمرد على الأخ الأكبر.. وشق عصا الطاعة
عليه..
لنعد إلى السؤال:
ماذا تريد تركيا من سياساتها النشطة في الإقليم؟!
طوال السنوات
الثماني الأخيرة حاولت تركيا تحت حكم حزب العدالة والتنمية إعطاء مثال إيجابي لبلد
مسلم كبير ينهج سياسة معتدلة (رد غير مباشر على سياسة الإسلاميين المتطرفين) يمكن
أن يشكل نموذجاً إيجابياً في العالم العربي والإسلامي، ورأت من جهة أخرى أن المدخل
للتأثير في سياسات المنطقة أن تلعب دوراً ما مدخله القضية الفلسطينية، والصراع
العربي الإسرائيلي فنشطت على هذا الصعيد باعتماد سياسة منظرها أحمد أوغلو (تصفير
المشكلات مع دول الجوار وتوسل «القوة الناعمة» المتاحة لها بحكم موقعها الجغرافي
وثقلها السياسي والاقتصادي والعسكري)، الأمر الذي حقق لها البروز كقوة إقليمية
توازن من جهة الدور الإيراني وملابساته، ومن جهة أخرى توازن بثقلها الثقل
الإسرائيلي الراسخ في المنطقة، وتخفف بالتالي من حدة الاستقطابات التي تشكلت في
المنطقة وخصوصاً بين محوري «الممانعة» و «الاعتدال» العربيين، وكان شعارها الأساسي
لكل هذه التحركات تحقيق الاستقرار في المنطقة خدمة لمصالح كل شعوبها.
سرعان ما اصطدم
تدخلها النشط من أجل تصفير المشكلات في المنطقة، والوساطات لحل الملف الإيراني حلاً
سلمياً، والوساطة في الحوار غير المباشر بين سورية وإسرائيل بجدار التعنت
الإسرائيلي والعربدة الإسرائيلية التي تعتبر نفسها القوة الإقليمية العظمى
الاستثنائية في المنطقة باعتراف الغرب والدعم المطلق من الولايات المتحدة.
شيئاً فشيئاً بدأت
التناقضات الخفية المتراكمة بين السياستين التركية والإسرائيلية تنتقل من الغرف
المغلقة إلى العلن (على الرغم من الصداقة التي تجمعهما والتعاون على غير صعيد بما
في ذلك التعاون العسكري والمناورات العسكرية المشتركة، وانتمائهما إلى الحلف العربي
المشترك). ووصل الخلاف ذروته بالمشادة الكلامية بين أردوغان وبيريز في مؤتمر دافوس..
ومن ثم الانتقادات التركية العلنية للسياسة الإسرائيلية التي تصاعدت بعد جريمة
الاعتداء الإسرائيلي على «أسطول الحرية».
أعتقد أن إسرائيل
بارتكابها هذه الجريمة عن سابق دراسة وتصميم أرادت توجيه رسالة قوية إلى تركيا
غايتها تحجيم الدور الإقليمي التركي، وإفهام تركيا والعالم أن إسرائيل هي القوة
الإقليمية العظمى المعتمدة في المنطقة أمريكياً وغربياً، وبالتالي ليس بإمكان أحد
النيل من دورها الاستثنائي هذا، بدليل أن ردود الفعل الدولية على عربدتها جاءت
باهتة وليست ذات تأثير، حتى ولو تغير شكل الحصار على غزة، على شكل تخفيف جزئي لهذا
الحصار بإشراف ربما دولي، فالمعادلات الأساسية ستظل ذاتها. إسرائيل هي مدللة الغرب
دون منازع وتركيا التي طـُعنت بكرامتها كدولة لها وزنها ستجد نفسها بعد ردود
الأفعال الإعلامية الصاخبة، أنها أمام مأزق سيضطرها إلى إعادة حساباتها إذ أن قوتها
تنبع أساساً من بنيتها التي تشكلت من تحالفها مع الغرب، كونها جزءاً من الحلف
الأطلسي، وتتطلع إلى الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي)، وبالتالي ما تأسست عليه كدولة
قومية ذات بنية حديثة يستمد قوته من روابطها القوية مع الغرب، وبالتالي المطلوب أن
تكيف سياساتها وفق مصالحها، وروابطها مع هذا الغرب، وإلا ستجد نفسها أمام تعارض مع
طبيعة بنيتها الداخلية أساساً وعلى الغرب الذي تستمد قوتها منه بشكل أو بآخر،
وبالتالي سقف ردود أفعالها تجاه الصفعة الإسرائيلية هو أن تعود إلى سابق عهدها
بانتهاج سياسة الحياد تجاه قضايا المنطقة مما يعني وصول إسرائيل إلى غايتها.
من المستبعد بتقديري
أن تنهج تركيا سياسة التصعيد أكثر مما فعلت حتى الآن. إذا فعلت سوف تتغير الكثير من
المعادلات، لكنها أولاً ستنقسم على نفسها، وستقف في الضد من سياسة تصغير المشكلات
التي تسعى إليها، لأنها هذه المرة ستهز المشكلات في عقر دارها، وهذا سيفتح المنطقة
على المزيد من الصراعات الدامية واللاستقرار الذي سيكون وبالاً على كل شعوبها. بعد
أشهر، ربما ينسى العالم جريمة أسطول الحرية، كما تناسى من قبل تقرير غولدستون،
والحرب على غزة، والكثير من الجرائم التي ارتكبتها إسرائيل على مدى تاريخها.
دعونا لا نعوّل
كثيراً على التداعيات داخل إسرائيل. لقد ثبت أن المجتمع الإسرائيلي برمته يتجه نحو
اليمين، إسرائيل كانت تود توجيه صفعة إلى تركيا بالتحديد وقد فعلتها، وكل ما تبقى
هو مناورات تكتيكية، لا تغير من واقع الحال، إذ كان بإمكانها السيطرة على أي باخرة
تريد كسر الحصار عن غزة دون إراقة الدماء كما فعلت مع «راشيل كوري»، دون أن تتراجع
عن مواقفها.
من المخيف أن يجري
الحديث عن غزة وفك الحصار عنها، وكأنها معزولة عن الضفة والقضية الفلسطينية برمتها
وتداعياتها، الأمر الذي يكرس فعلاً الانقسام الحاصل. الخطاب التركي لا يتحدث عن حل
القضية الفلسطينية، وإنما يركز على فك الحصار على غزة في حين أن المصلحة الوطنية
العليا للفلسطينيين تقتضي التفكير بحلول الانقسام الفلسطيني وإعادة الوحدة الوطنية
وفك الحصار في إطار تفاهمات فلسطينية داخلية. والحديث عن فك الحصار يطال فقط فتح
معبر رفح، وفك الحصار البحري، بينما لا يجري الحديث عن فتح المعابر على الضفة
الغربية وإيجاد شكل من أشكال التواصل الجغرافي بين غزة والضفة، الأمر الذي سيكرس
الانفصال كأمر واقع وهذا أخطر ما في المسألة.
|