i
       

 

 

 

 
??ɠ???
أحمد.م.جابر
فلسطين – إسرائيل: بؤس السياسة فشل الخيارات المسيطرة  والبديل الجذري

بغض النظر عن المعارك اليومية المندلعة هنا وهناك في المستويين السياسيين الإسرائيلي والفلسطيني، وبغض النظر عن مكانة وأهمية هذه المعارك في اللوحة العامة للصراع إلا أن صورة الوضع السياسي الراهن تتحدد بكثير من المؤشرات بغياب المشاريع الجدية الكبرى ذات الطابع الاستراتيجي التي تهدف لحل هذا الصراع بمعناه الكلي، وهذا يعود برأينا إلى عوامل ثلاثة تعمل متكاتفة مرتبطة جدلياً:

العامل الأول: ضعف إن لم يكن انحطاط المستوى السياسي المرتبط بالنخبة السياسية التي تمارس الحكم سواء في الجانب الفلسطيني أو الإسرائيلي ويتجلى هذا الضعف في غياب المبادرة وتقديم برامج ومشاريع انتخابية أو حكومية تهدف للحفاظ على الوضع القائم. وكذلك سيادة النزعة الحزبية النفعية (و الشعبوية فيما يخص الجانب الإسرائيلي)  في اختيار المرشحين سواء للإطار التشريعي أو السياسة التنفيذية .واستبعاد الأصوات النقدية التي تملك الجرأة الفعلية (وليس التمثيلية) على طرح الأفكار الصحيحة ذات السمة التغييرية.

العامل الثاني:  غياب النضج الاجتماعي والوعي الجماعي القادر على بلورة بدائل ترفض الجمود والوضع القائم، وفي الحالة الإسرائيلية يعود هذا إلى طبيعة وبنية النظام الصهيوني والأيقونات الغيبية/ الأمنية التي تتحكم بالسياق السوسيولوجي، بما يحيله إلى شعبوية رخيصة مغلقة على الذات والوجود الخاص. وفي الحالة الفلسطينية إلى إنهاك المجتمع ومواصلة انتهاكه على يد رجعيات ذات أبعاد سياسية واجتماعية، تتسم بالانغلاق أو التبعية التامة مما يحل إلى وضع سياسي استنقاعي يبدو ألا مخرج منه.

العامل الثالث: تدخل خارجي سلبي بأبعاد مختلفة لا يجد من مصلحته بلورة جديد أو التشجيع عليه خصوصاً أنه صادر عن سياقات سياسية مأزومة في جوهرها ومنحطة في توصيفها العام.

رغم ذلك لا نستطيع الاستنتاج أن زمن التحولات الكبرى قد مضى – إذا كان قد بدأ أصلاً- حيث يبدو الجانبان في مأزق عقيم لا ينقذهما منه إلا العمل الحثيث على استمرار مناورة الركض في المكان.

عقب اتفاقيات أوسلو العدمية، كتب أري شافيط في هآرتس معلقاً على خيار رابين :" إن بصيرة رابين كانت إدراكه أن الدولة اليهودية – الديمقراطية لا تملك خيار الاستمرار في الوضع القائم، ولذا فإنها تقف أمام خيارين إما الخروج من وحل الاحتلال وإما الغرق فيه" وفي الواقع أن رابين وجد بمساعدة القيادة الفلسطينية المتنفذة خياراً ثالثاُ وهو الإبقاء على الاحتلال مع إعادة تنظيمه ولبس قفازات تحمي يديه- وإن كان ذلك مؤقتاً- من وحل الاحتلال وقذارته.

لم تنجح الصهيونية عبر ممثليها السياسيين في الاعتراف بجوهر الأزمة وحافظت على قدرة حربائية هائلة جنبتها كما ستجنبها إلى حين غير معلوم على ما يبدو مواجهة الحقائق الصعبة.

تجلت هذه القدرة في مواصلة استنساخ الأفكار والسياسات مع هامش تصحيحي هنا أو هناك لم يصل إلى مستوى مراجعة جدية تغير ما هو قائم.

ومن هذه المناورات ما يتعلق بالاستيطان نفسه على سبيل المثال، ففي الوقت الذي تواصل فيه إجماع إسرائيلي على هذا الصنم المدمر، إلى أن النخب الإسرائيلية بما فيها نخب رسمية ذات فعل سياسي اعتبرت أن الاستيطان هو أكبر خطايا شارون،  حتى أن شخصية سياسية بارزة من وزن شلومو أفنيري قال في مقابلة مع معاريف أواخر أيلول 2009 إن " المستوطنات كانت خطأ سياسياً وأخلاقياً جسيما".

وتبدت هذه الحربائية أكثر في سلوك شارون نفسه، وفيما بعد فيما يمكن اعتباره – ضمن هامش التصحيح المشار له- في تراجعين أساسيين لدى نتنياهو في خطابه في جامعة بار ايلان 14/حزيران/2009: حيث أقر بأن السلام الاقتصادي (نذكر بأن عرابه الأصلي شمعون بيريز) ليس بديلاً عن سلام سياسي، مع الانتباه طبعا إلى طبيعة السلام السياسي المتوخى من قبله، ومن ثم الموافقة على مبدأ التقسيم من خلال (مقاربة الدولتين)، بغض النظر عن رؤية اليمين الصهيوني لهذه المقاربة. ونذكر بما قاله أولمرت نهاية حكمه عن انعدام إمكانية استمرار الاحتلال.

تلك طبعاً صورة مصغرة للغاية للحراك السياسي الإسرائيلي الرسمي التي يأتي في خلفيتها العامة حقيقة مأزق المشروع الصهيوني، فالسنوات العشر الأخيرة اتسمت بعدوانية إسرائيلية مفرطة فما الذي حدث منذ عام 2000 حتى اليوم: تعزيز الاستيطان بشكل لم يسبق له مثيل، وإعادة تنظيم الاحتلال في الضفة الغربية لجعله مباشرا من جديد معظم الوقت ومعظم الجغرافيا، العدوان على لبنان في حرب تدميرية عنيفة عام 2006، ثم العدوان على غزة نهاية 2008 واستمرار خنقها واستباحة دائمة للإنسان الفلسطيني أينما كان وفي كل زمان.

وضعية الحضيض –نعيد التأكيد عليها- وصمت السياسة الإسرائيلية بشعبوية عنصرية عدوانية متصاعدة أبرز سماتها تغلغل العسكر في القرار السياسي، وصعود طبقة سياسية أكثر إغراقا في الأيدلوجية وعديمة الخبرة بشكل لاسابق له.

اللوحة العامة لهذه الوضعية تشير إلى ارتباطها المباشر بالمآل الذي وصلت إليه النظريات الإسرائيلية الثلاث الكبرى لحل الصراع حسب تصنيف نخب إسرائيلية أكاديمية وسياسية:

أول هذه النظريات وهي النظرية الأم المؤسسة لكل النشاط الصهيوني هي فكرة إسرائيل الكبرى التي تتردد النخب المذكورة في القول بفشلها أو عدمه، ففي الوقت الذي تراجعت فيه فرص تحقق هذه الفكرة على أرض الواقع لأسباب ذاتية وموضوعية، فإنه بالمقابل هناك مئات آلاف المستوطنين المسلحين في الضفة الغربية وهيمنة كاملة على القدس واستباحة اقتصادية واستخبارية للأردن.

وفي مقابل هذه النظرية ثمة نظرية فلسطينية عنوانها أرض فلسطين التاريخية التي وان مازال يتردد صداها هنا وهناك ويغلب إلا أن فرصها في الواقع –بغض النظر عن أي غوغائية أيدلوجية- لم تعد قائمة على الإطلاق في ظل موازين قوى معروفة من جهة وأوضاع ذاتية يبدو من العصي تجاوزها من جهة أخرى وقصور ذاتي شاب هذه النظرية بمحتواها الكلاسيكي من جهة ثالثة. رغم وجود المليون ومائتي ألف فلسطينيي داخل الخط الأخضر لكن هؤلاء أصلا لم يحسبوا –جدياً- ضمن موازين القوى وكان عليهم انتظار قوات التحرير التي ستفتح بوابات قلعة عكا وتزرع بيارقها على قمة الكرمل!!

النظرية الكبرى الثانية إسرائيليا كانت نظرية التسويات السلمية أو حل الدولتين، وهي فشلت من جهة لأنها تجاهلت جوهر الصراع وأسبابه االحقيقية، ولضعف المستوى السياسي القائم عليها من جهة ثانية، وقد عبر يهودا شنهاف/ عالم الاجتماع الإسرائيلي النقدي على ذلك بالقول " إن تركيز الجدل على ما حدث سنة 1967 يهدف أساساً إلى صرف الأنظار عما حدث عام 1948"

لكن من جهة أخرى هناك رأي يقول إن هذه الخطة لم تفشل فهناك اتفاقيات سلام ثابتة مع مصر والأردن وجبهة باردة مع سوريا واتفاقيات سلام مع الفلسطينيين يمكن التلاعب بها دائماً لمصلحة إسرائيل، ناهيك عن أنها لم تنفذ ولم توضع فعليا – رغم بؤسها- موضع التنفيذ.

فلسطينياً وفي سياق هذه النظرية قدم الفلسطينيون تنازلاً مبكراً جداً منذ عام 1974 وخيار حل الدولتين الفاشل، ومآلاته المأساوية،، ثم من جديد وقعوا في فخ القفز على ما حدث عام 1948 في أوسلو وما تزال النخبة الفلسطينية المتنفذة متمسكة بهذا الخيار دون أن تتعب عقلها الراكد بأحاديث الفشل والنجاح.

النظرية الثالثة هي سياسة الانفصال الأحادي الجانب بطبعاتها المنقحة، التي يرون أنها فشلت بمؤشر غزة ونجحت بمؤشر التنسيق الأمني العميق والحفاظ على الاستيطان وتعميق الأزمة الفلسطينية الداخلية. وهناك رأي يرى بأن تطبيقها الجزئي لا يتيح الحديث عن فشلها أو عدمه.

الفلسطينيون يتعاملون مع الأمر بسياسة المياومة ويغلب الموقف اللحظي على الرؤى السياسية متمسكين بصنم الدولتين المنبثق منذ 1974 ورؤية بوش و(الصديق رابين) ومن جديد دون أن يتعبوا عقلهم بالتفكير بالتحولات الكبرى ومآلات الفكر السياسي الحربائي الاسرائيلي.

السياسة الإسرائيلية مستندة إلى جوهرها الأيدلوجي الفاشي ما زالت تدور في السنوات العشر الأخيرة في بحر خدعة باراك ومغامرات شارون و كذب نتنياهو، والفلسطينيون يكادون يعلنون بدون خجل أن باراك كان محقا وأنه قدم لهم الحد الأقصى في كامب ديفيد والمرحوم عرفات أخطأ بالرفض، ولعلهم في غرفهم المغلقة يمتدحون بوقاحة (شجاعة شارون) وخططه للحل، ويقفون حائرين أمام كذب نتنياهو وإن كانوا يتمسكون بالحديث معه والتنسيق الأمني مع جيشه ومخابراته (حتى لايقال أننا نرفض السلام)، وقد خلقوا لهم صنما جديداً اسمه: المفاوضات هي الخيار الوحيد الذي لا رجعة عنه كما يقول السيد محمود عباس ليل نهار وكأنه يستجدي التفاوض أو حتى الاعتراف به كشريك!!

الحكمة السياسية البسيطة تقول إنه إذا كان الخصم في مأزق فان عليك أن تكيف إستراتيجيتك وتطورها، لتجير أزمته من جهة ولترفع سقف أهدافك من جهة أخرى. ولكن للأسف يتعاطى الإطار السياسي الفلسطيني مع مأزق عدوه وكأنه مأزقه الخاص متخبطاً في هذه الأزمة ليضيف على أزمته الذاتية مالا طاقة له به.

أمام هذا يبرز السؤال الكبير ما العمل: وسؤال من هذا النوع يكبر كلما كبرت الأزمة وتعمقت سؤال يجب البحث عنه في سياق فلسطيني ذاتي، سياق يأخذ بعين الاعتبار مشروعاً فلسطينياً أصلياً يتحرر من كونه رد فعل على الاستراتيجيات الصهيونية، ويتحرر من تبعية فرضتها عليه نخب سياسية تابعة أو محتلة في عقلها وإرادتها.

بدون الكثير من التنظير فإن مآلات الأزمة الحالية تضع القيادة الفلسطينية على محك خيارين لا نريد ثالثاُ لهما –على طريقة رابين- إما الخروج من وحل أوسلو وخيار الدولتين بتفسيره وقوننته وسياقه الحالي والمدمر تماماً للسياق الفلسطيني الأصلي، أو الغرق في هذا المستنقع الانهزامي حتى النهاية وعندها لن يجد الفلسطينيون من يبكي عليهم.

المطلوب باختصار تجاوز الفكر اليومي والانتقال من برنامج رد الفعل إلى إستراتيجية الفعل برنامج مواجهة شامل يضع المشروع الصهيوني أمام مشروع نقيض يطرح الأسئلة الصعبة ويقاتل للإجابة عنها.

مشروع مثل هذا يقطع مع الإستراتيجية الصهيونية ويعيد الاعتبار إلى حل تاريخي لايتجاوز أي من التحديات سواء طرحت فلسطينياً أو إسرائيليا، مشروع بأفق إنساني يتحدى الاحتلال والإجلاء والإبادة والفصل والأبارتهايد والشوفينية الرجعية المغلقة نحو أفق حل ديمقراطي عنوانه فلسطين العلمانية الديمقراطية كخيار يبدو أنه سيصبح قريباً على ما نأمل جرعة الدواء المرة التي لابد أن يتجرعها الجميع إن أرادوا النجاة.

 
 

 

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½

2003-2007