|
عقب اتفاقيات أوسلو
العدمية، كتب أري شافيط في هآرتس معلقاً على خيار رابين :" إن بصيرة رابين كانت
إدراكه أن الدولة اليهودية – الديمقراطية لا تملك خيار الاستمرار في الوضع القائم،
ولذا فإنها تقف أمام خيارين إما الخروج من وحل الاحتلال وإما الغرق فيه" وفي الواقع
أن رابين وجد بمساعدة القيادة الفلسطينية المتنفذة خياراً ثالثاُ وهو الإبقاء على
الاحتلال مع إعادة تنظيمه ولبس قفازات تحمي يديه- وإن كان ذلك مؤقتاً- من وحل
الاحتلال وقذارته.
لم تنجح الصهيونية
عبر ممثليها السياسيين في الاعتراف بجوهر الأزمة وحافظت على قدرة حربائية هائلة
جنبتها كما ستجنبها إلى حين غير معلوم على ما يبدو مواجهة الحقائق الصعبة.
تجلت هذه القدرة في
مواصلة استنساخ الأفكار والسياسات مع هامش تصحيحي هنا أو هناك لم يصل إلى مستوى
مراجعة جدية تغير ما هو قائم.
ومن هذه المناورات
ما يتعلق بالاستيطان نفسه على سبيل المثال، ففي الوقت الذي تواصل فيه إجماع
إسرائيلي على هذا الصنم المدمر، إلى أن النخب الإسرائيلية بما فيها نخب رسمية ذات
فعل سياسي اعتبرت أن الاستيطان هو أكبر خطايا شارون، حتى أن شخصية سياسية بارزة من
وزن شلومو أفنيري قال في مقابلة مع معاريف أواخر أيلول 2009 إن " المستوطنات كانت
خطأ سياسياً وأخلاقياً جسيما".
وتبدت هذه
الحربائية أكثر في سلوك شارون نفسه، وفيما بعد فيما يمكن اعتباره – ضمن هامش
التصحيح المشار له- في تراجعين أساسيين لدى نتنياهو في خطابه في جامعة بار ايلان
14/حزيران/2009: حيث أقر بأن السلام الاقتصادي (نذكر بأن عرابه الأصلي شمعون بيريز)
ليس بديلاً عن سلام سياسي، مع الانتباه طبعا إلى طبيعة السلام السياسي المتوخى من
قبله، ومن ثم الموافقة على مبدأ التقسيم من خلال (مقاربة الدولتين)، بغض النظر عن
رؤية اليمين الصهيوني لهذه المقاربة. ونذكر بما قاله أولمرت نهاية حكمه عن انعدام
إمكانية استمرار الاحتلال.
تلك طبعاً صورة
مصغرة للغاية للحراك السياسي الإسرائيلي الرسمي التي يأتي في خلفيتها العامة حقيقة
مأزق المشروع الصهيوني، فالسنوات العشر الأخيرة اتسمت بعدوانية إسرائيلية مفرطة فما
الذي حدث منذ عام 2000 حتى اليوم: تعزيز الاستيطان بشكل لم يسبق له مثيل، وإعادة
تنظيم الاحتلال في الضفة الغربية لجعله مباشرا من جديد معظم الوقت ومعظم الجغرافيا،
العدوان على لبنان في حرب تدميرية عنيفة عام 2006، ثم العدوان على غزة نهاية 2008
واستمرار خنقها واستباحة دائمة للإنسان الفلسطيني أينما كان وفي كل زمان.
وضعية الحضيض –نعيد
التأكيد عليها- وصمت السياسة الإسرائيلية بشعبوية عنصرية عدوانية متصاعدة أبرز
سماتها تغلغل العسكر في القرار السياسي، وصعود طبقة سياسية أكثر إغراقا في
الأيدلوجية وعديمة الخبرة بشكل لاسابق له.
اللوحة العامة لهذه
الوضعية تشير إلى ارتباطها المباشر بالمآل الذي وصلت إليه النظريات الإسرائيلية
الثلاث الكبرى لحل الصراع حسب تصنيف نخب إسرائيلية أكاديمية وسياسية:
أول هذه النظريات
وهي النظرية الأم المؤسسة لكل النشاط الصهيوني هي فكرة إسرائيل الكبرى التي تتردد
النخب المذكورة في القول بفشلها أو عدمه، ففي الوقت الذي تراجعت فيه فرص تحقق هذه
الفكرة على أرض الواقع لأسباب ذاتية وموضوعية، فإنه بالمقابل هناك مئات آلاف
المستوطنين المسلحين في الضفة الغربية وهيمنة كاملة على القدس واستباحة اقتصادية
واستخبارية للأردن.
وفي مقابل هذه
النظرية ثمة نظرية فلسطينية عنوانها أرض فلسطين التاريخية التي وان مازال يتردد
صداها هنا وهناك ويغلب إلا أن فرصها في الواقع –بغض النظر عن أي غوغائية أيدلوجية-
لم تعد قائمة على الإطلاق في ظل موازين قوى معروفة من جهة وأوضاع ذاتية يبدو من
العصي تجاوزها من جهة أخرى وقصور ذاتي شاب هذه النظرية بمحتواها الكلاسيكي من جهة
ثالثة. رغم وجود المليون ومائتي ألف فلسطينيي داخل الخط الأخضر لكن هؤلاء أصلا لم
يحسبوا –جدياً- ضمن موازين القوى وكان عليهم انتظار قوات التحرير التي ستفتح بوابات
قلعة عكا وتزرع بيارقها على قمة الكرمل!!
النظرية الكبرى
الثانية إسرائيليا كانت نظرية التسويات السلمية أو حل الدولتين، وهي فشلت من جهة
لأنها تجاهلت جوهر الصراع وأسبابه االحقيقية، ولضعف المستوى السياسي القائم عليها
من جهة ثانية، وقد عبر يهودا شنهاف/ عالم الاجتماع الإسرائيلي النقدي على ذلك
بالقول " إن تركيز الجدل على ما حدث سنة 1967 يهدف أساساً إلى صرف الأنظار عما حدث
عام 1948" |