|
على المستوى
الفلسطيني: أن نحدد
خياراتنا ونغادر ترددنا وتمسكنا بأوهام تسوية ثبت بالملموس عبثية استمرار ومواصلة
التعويل على جدواها وإمكانيات حصولها، ارتباطاً بالنتائج العملية التي أفرزتها
مرارات وعذابات سنوات المفاوضات مع الكيان الصهيوني المتشبث بمواقفه وسياساته
ارتباطاً برؤية للحل وتقديره لميزان القوى وواقع الحال الفلسطيني بعد الانقسام
ومآلاته المأساوية على الشعب والقضية، وطبيعة الدور الذي تضطلع به الإدارات
الأمريكية باعتبارها راعية للسلام من المواقع المنحازة للرؤية والممارسة الصهيونية
وسقوط كل المراهنات على أية إزاحات لهذا الموقف لصالح تطور موقف الإدارة بما يتلاءم
وينسجم مع دورها كراعية لسلام يوفر الأرضية المناسبة لتعزيز مكانتها ودورها في
المنطقة.
وانطلاقاً من هذه
الحقائق لا بد من إجراء عملية مراجعة وطنية عميقة وجزئية للسياسات والمواقف
الفلسطينية بمشاركة كل ألوان الطيف الوطني سياسياً وشعبياً بما يمكن من استنباط
سياسة وطنية راسخة قادرة على استنهاض الحالة الوطنية، وتعزيز فرص وممكنات إعادة
الوحدة الوطنية بعيداً عن سجالات المحاصصة والثنائية والتي أضرت بصورتنا وأعاقت
وحدتنا كضرورة وطنية ملحة لإعادة الاعتبار للمكانة الراسخة لصورة مرجعيتنا الوطنية
انطلاقاً من إعادة بنائها وتفعيلها ديمقراطياً وبما يعزز من حضور قضيتنا وإعادة
الوهج لمركزيتنا وحيويتها وأهميتها في تحقيق السلام والاستقرار في المنطقة والعالم.
عربياً
يجب أن يدرك الأخوة العرب أن قضية
فلسطين لا يمكن فصلها أو اقصائها من سلم أولويات المصير العرب المشترك، وبالتالي
فإن التجربة تقول لا جدوى من سياسات التنصل من المسؤوليات القومية التي تفرضها مثل
هكذا قضية على النظام الرسمي العربي الذي جرب في تعاطيه مع الغرب وربيبته «إسرائيل»
سياسة حسن النوايا وتقديم التنازلات المجانية والقبول بالضغوط والإملاءات،
وانعكاسها على الصورة الراهنة التي وسمت الحالة الرسمية العربية بالضعف والترهل
والموت السريري والذي زاد من شهية الكيان الصهيوني والغرب لمواصلة الضغوط لفرض
الإرادات والتصورات الغربية على واقعنا. فأضحى الحديث عن الخصوصية والوطنية الضيقة
والدفاع عنها غطاء لاستقبال القادة الصهاينة الذين يترددون في الذهاب لبعض الدول
الغربية بحكم القضايا التي تلاحقهم، بينما يسرحون ويمرحون في بعض العواصم العربية .
آن الأوان أن يدرك
القادة العرب أن بناء الأوطان وتعزيز فرص الاستمرار لا يضمنها الولاء للقوى
الخارجية، بل الضمانة الوحيدة لهم ولمستقبلهم ومستقبل أوطانهم في الولاء للوطن
وقضاياه وهمومه ونبذ الخلافات والبحث عن إستراتيجية عربية تعلي من شأن الأوطان
والقضايا القومية والمصالح المشتركة وتربط العلاقات مع القوى الخارجية بمقدار
تحقيقها لتلك المصالح. فالتوافق والمصالحات الحقيقية، والعودة إلى روح الأصالة
العربية، وتعزيز التعاون المشترك، ونبذ الخلافات، وعودة الروح إلى سياسة التضامن
العربي بديلاً لسياسة الاستجداء واللهاث وراء سراب مواقف أمريكية لم يعد ممكناً
استمرار التعويل عليها، وعلى مؤتمر القمة القادم أن يحدد موقفاً عربياً واضحاً
وصريحاً من الاستهتار الأمريكي والأوروبي بقضايا العرب وعلى رأسها قضية فلسطين من
خلال مواقف وسياسات عربية واضحة من قضايا التدخل الخارجي، ووضع حد لحالة الانتظار
والمراهنة والمجازفة بالحقوق الوطنية والقومية، وعدم ترك الشعب الفلسطيني فريسة
للوحشية الصهيونية بسحب ما سمي بالمبادرة العربية التي أدارت الظهر لها الإدارات
الأمريكية المتعاقبة والكيان الصهيوني، وتبني مواقف أكثر التزاماً بالشعب الفلسطيني
وقضاياه المصيرية، وتحديد رؤية عربية من الخلافات الداخلية، والإقلاع عن سياسة
الدعم للأنظمة التي تواجه مشكلات دون الالتفات لهموم المواطنين ومشكلاتهم الحقيقية،
بل اعتماد سياسة المصارحة والمكاشفة لحل الخلافات على قواعد وأسس تضفي طابعاً
ديمقراطياً للعلاقات العربية وتفهماً أكبر للمشكلات وطرق حلها بما يعزز الوحدة
الوطنية ويؤمن مشاركة أوسع لكل مكونات الأنظمة العربية وتوسيع هامش الديمقراطية،
ورفض التدخلات الخارجية بسحب الذرائع وإشاعة لغة الحوار سبيلاً لحل الخلافات
والتناقضات الثانوية. فاستكانة الوضع العربي وضعفه تغري أعداءنا، وتضعف من قدرة
مناصري قضايانا وحقوقنا من أداء رسالتهم الإنسانية والقانونية والأخلاقية على
المستوى العالمي.
فلم يعد مكان
للأحلام في عصر العولمة والمدينة الكونية، فالعالم كله يتطلع لدور عربي أكثر
اتزاناً على المستوى السياسي والاقتصادي بما يعزز من فرص حل الخلافات وتطوير
المنطقة اقتصادياً وثقافياً، وإيجاد منافذ حقيقية لحل العديد من المشكلات المستعصية
والتي تعيش بين ظهرانينا. وتجد كل الأمراض المستعصية في بلداننا ملاذات آمنة لها في
هذه التربة العربية, فنحن أمام تحد حقيقي علينا أن نتكاتف لإنجاحه لأن في نجاح
(المشروع النهضوي العربي) فرصة لبقاء الأوطان وتعزيز العلاقة بين شعوبنا.
فالفرصة سانحة
للمراجعة على المستوى القومي الرسمي والشعبي لاستدراك خيبات الأمل والانتكاسات التي
طالت الصغير والكبير في أمتنا ومست بتشويهاتها كل ما يتعلق بحياتنا بمختلف جوانبها
السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وتراثنا وتاريخنا، وروجت لثقافة غريبة
تعلي مما يسمى بالوطنية والتنصل الواقعي من الالتزام بمتطلبات الأخوة، وتعلي من
العشائرية والطائفية، وتروج للأساطيل والقواعد الأجنبية، وتغالي في فهم الخلافات
الداخلية، وتقلل من حجم المخاطر التي يمثلها المشروع الصهيو أمريكي بإبداعات
استنساخية تنتجها دوائر القرار لهذا المشروع. فالدفاع عن الأوطان يحتاج إلى وقفات
عز وبطولة تساهم في تعزيز أواصر وروابط الأخوة الداخلية في كل وطن والروابط
والمصالح القومية والتي تتناقض مع سياسة الاستسلام والرضوخ والاستجداء والضعف على
كل المستويات. فنحن أمة تملك كل عناصر القوة والمنعة والتي يمكننا استخدامها لصالح
حقوقنا ومصالحنا الوطنية والقومية، ودورها الإنساني الكبير في تعزيز مناخات العدل
والسلام والاستقرار في العالم على أسس وقواعد إنسانية أصيلة تخدم المصالح المشتركة
والحقوق في كل الميادين. فتشبثنا بالمواقف والسياسات الصائبة هو سبيلنا لصيانة
حقوقنا ومصالحنا.
|