??ɠ???
عائشة واسمين جامعة محمد الخامس السويسي-الرباط
الأبعاد الدولية لكسر الحصار المفروض على غزة

سيبقى الهجوم العسكري الإسرائيلي الذي طال أسطول الحرية الذي يحمل على متن سفنه عددا من الناشطين من مختلف الجنسيات والمتوجه إلى غزة من أجل إحداث ثغرة إنسانية في جدار الحصار المتعدد الجوانب المفروض عليها، شاهدا على فتح صفحة جديدة في كتاب النضال الإنساني من أجل الحرية والعيش الكريم. كما سيؤرخ لبداية تواصل جديد بين شعوب العالم وما يحدث ليس فقط في غزة الفلسطينية وإنما في باقي الأراضي الفلسطينية التي لازالت تعاني من بطش الاحتلال الإسرائيلي الفعلي.

إن التضامن العالمي الذي انبعث جراء القرصنة الهمجية التي لجأت إليها البحرية العسكرية الإسرائيلية لثني عزيمة أحرار العالم عن متابعة مسيرتهم الشجاعة نحو غزة، ليعبر عن وجود مسارين مختلفين يتمثل أحدهما وهو الأبرز في تلاحم شعوب العالم والقوى الإنسانية الداعمة للحقوق الإنسانية والقضايا العادلة، والآخر تمثله معظم الأنظمة الرسمية التي لا تستطيع إدانة الفعل الإسرائيلي الإجرامي. في مقابل هذين المسارين، كان بإمكان الأنظمة العربية استثمار موجة التضامن المعبر عنه بشكل واسع واتخاذ موقف موحد من شأنه إجبار إسرائيل على الأقل، بإعادة النظر في سياسة الحصار المفروض على قطاع غزة.

ولن يجدي إجراء أي تحقيق دولي حتى لو كان موضوعيا أو حياديا حول الهجوم الإسرائيلي. ذلك أننا تعودنا على أن تركن ملفات التحقيقات الدولية التي تكون إسرائيل أحد الأطراف التي تتناولها -هذا إذا تمت-وأدانت –كما هو الحال في تقرير غولدستون- بما فيه الكفاية الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب التي ارتكبتها إسرائيل في حق أهالي غزة في حربها الأخيرة –ديسمبر 2008 ويناير 2009.

 ربما سيجد التحقيق الدولي حول الهجوم الإسرائيلي على أسطول الحرية صدى  لدى المجتمع الدولي، بحيث  يمكن أن يختلف الأمر مادام هناك طرف غير عربي قد دخل على خط الصراع، ويتعلق الأمر بتركيا التي سحبت البساط من الأنظمة العربية المعروفة بدورها التقليدي في منطقة الشرق الأوسط، ومادام هناك صوت عالمي علا بقوة مخترقا الحواجز الحدودية والنظامية، ليدين بشدة الهمجية العسكرية الإسرائيلية المتواصلة بأشكال مختلفة ومتعددة.

إن فك الحصار عن غزة لا يمكن أن يتحقق إلا بموقف دولي صريح وشجاع، أي بتدخل إنساني معلن وملزم. وقد سبق للمجتمع الدولي أن اتخذ عدة قرارات في هذا الاتجاه تتعلق بحالات مشابهة للوضع الإنساني المتأزم الذي يعاني منه قطاع غزة. نذكر هنا بالقرارات الأممية التي  ألزمت الدول المعنية بفتح ممرات إنسانية وبضرورة إيصال المساعدات الإنسانية إلى المتضررين من الكوارث الطبيعية أو من النزاعات المسلحة. بالنظر إلى الحالات الإنسانية التي عانت من النزاعات المسلحة في الكثير من المناطق التي كانت عرضة للمواجهات المسلحة العنيفة، حيث تمت الدعوة إلى حق وواجب التدخل الإنساني،  لماذا تستثنى غزة من إلزامية حق أو واجب التدخل الإنساني؟

 

إن ما ارتكبته إسرائيل من أعمال عدوانية في حق الشعب الفلسطيني يندرج ضمن الجرائم التي يعاقب عليها القانون الدولي الجنائي والتي تختص بالنظر فيها المحكمة الجنائية الدولية (الفصل 8 من اتفاقية روما لسنة 1998). لو أن الأمر حدث في مكان آخر من العالم غير فلسطين، لهب المجتمع الدولي لفتح تحقيق دولي وإحالة مرتكبي الجرائم عن المحاكمة.

وعموما ما انتهجته إسرائيل خلال الحرب على غزة، يدخل في إطار مخطط تم إعداده من أجل ليس فقط إضعاف حركة حماس وإنما عزل الشعب الفلسطيني عن محيطه العربي وعن العالم وإكمال وضع اليد الفعلي على ما تبقى من الأرض الفلسطينية.

وبالفعل، استغلت إسرائيل الحملة الأمريكية والدولية على الإرهاب، فضاعفت من ممارسات القمع والعدوان على الشعب الفلسطيني.  وكالعادة، تهاون المجتمع الدولي في إرغام إسرائيل على احترام الشرعية الدولية وإيقاف المجازر المرتكبة من طرف جنودها في بيت لحم، وفي جنين التي كان من المفروض أن تحقق فيها لجنة دولية، ولكن مرة أخرى خذل المجتمع الدولي الفلسطينيين ولم ينصفهم.... وفي المقابل، كانت الولايات المتحدة تطالب السلطة الفلسطينية بإجراء انتخابات حرة ونزيهة وتستعمل هذه الوسيلة كورقة للضغط عليها مقابل الدفع بعملية السلام إلى الأمام. وكثيراً ما سمعنا الإدارة الأمريكية تدعو الفلسطينيين إلى اعتماد النهج الديمقراطي كخيار وحيد لتسيير شؤونهم السياسية. وعندما تحقق ذلك، علت أصوات دولية تنادي بعدم التعامل مع حكومة تترأسها حماس وبفرض حصار عليها، لكن تبين أن المستهدف من هكذا إجراءات هو الشعب الفلسطيني الذي يلام على نهجه الديمقراطي ويواجه بأشد مظاهر العقاب الجماعي المتمثلة في مصادرة حقه في الحياة والعيش الكريم وفي أبسط الشروط الإنسانية، إلى جانب قصف المناطق المدنية وتدمير المنازل واجتثاث أغصان الزيتون واعتماد سياسة الأرض المحروقة.

لكن ما يدفع إلى التفاؤل ويعيد القضية الفلسطينية إلى الواجهة هو تضامن شعوب العالم مع الإنسان الفلسطيني المحاصر في غزة، وكذا صوت الإدانة القوية المدوي في مختلف أرجاء المعمورة على الهجوم العسكري الإسرائيلي الذي استهدف ناشطين أتوا من دول عديدة، يحملون فقط مشاعل الحرية وقيم الإنسانية في اتجاه غزة لكسر الحصار عنها.  ولعل ما يجعل المرء يتفاءل خيرا  هو تسجيل مواقف تؤكد على أن  القضايا العادلة لابد أن تصل إلى بر الأمان إن طال الزمن أو قصر.يكفي أن ندرج في هذا الصدد موقفين بارزين لهما دلالة كبيرة على ما يحدث في فلسطين. يتعلق الأمر بالتصريح الذي أدلى به فيديل كاسترو الذي شبه معاملة إسرائيل للفلسطينيين بما قام به هتلر تجاه اليهود، وما صرحت به عميدة الصحافة الأمريكية السيدة هيلين توماس حول مسألة حل الصراع في الشرق الأوسط عبر عودة  المحتل للأرض الفلسطينية إلى دياره في بولونيا وألمانيا،.......

ويبقى على البيت الفلسطيني بكل أطيافه الخروج من المأزق و التصالح مع الذات على أساس توافق جماعي تكون الثوابت الفلسطينية كما أقرتها منظمة التحرير الفلسطينية والكفاح الفلسطيني الطويل هي وحدها الأرضية التي يجب الالتفاف حولها وترك الصراعات المدعومة من أطراف خارجية جانبا والتمسك بالمصلحة الفلسطينية أولا وأخيرا.
 
 

 

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½

2003-2007