|
سيبقى الهجوم العسكري
الإسرائيلي الذي طال أسطول الحرية الذي يحمل على متن سفنه عددا من الناشطين من
مختلف الجنسيات والمتوجه إلى غزة من أجل إحداث ثغرة إنسانية في جدار الحصار المتعدد
الجوانب المفروض عليها، شاهدا على فتح صفحة جديدة في كتاب النضال الإنساني من أجل
الحرية والعيش الكريم. كما سيؤرخ لبداية تواصل جديد بين شعوب العالم وما يحدث ليس
فقط في غزة الفلسطينية وإنما في باقي الأراضي الفلسطينية التي لازالت تعاني من بطش
الاحتلال الإسرائيلي الفعلي.
إن التضامن العالمي الذي انبعث
جراء القرصنة الهمجية التي لجأت إليها البحرية العسكرية الإسرائيلية لثني عزيمة
أحرار العالم عن متابعة مسيرتهم الشجاعة نحو غزة، ليعبر عن وجود مسارين مختلفين
يتمثل أحدهما وهو الأبرز في تلاحم شعوب العالم والقوى الإنسانية الداعمة للحقوق
الإنسانية والقضايا العادلة، والآخر تمثله معظم الأنظمة الرسمية التي لا تستطيع
إدانة الفعل الإسرائيلي الإجرامي. في مقابل هذين المسارين، كان بإمكان
الأنظمة العربية استثمار موجة
التضامن المعبر عنه بشكل واسع واتخاذ موقف موحد من شأنه إجبار إسرائيل على الأقل،
بإعادة النظر في سياسة الحصار المفروض على قطاع غزة.
ولن يجدي إجراء أي تحقيق دولي
حتى لو كان موضوعيا أو حياديا حول الهجوم الإسرائيلي. ذلك أننا تعودنا على أن تركن
ملفات التحقيقات الدولية التي تكون إسرائيل أحد الأطراف التي تتناولها -هذا إذا
تمت-وأدانت –كما هو الحال في تقرير غولدستون- بما فيه الكفاية الجرائم ضد الإنسانية
وجرائم الحرب التي ارتكبتها إسرائيل في حق أهالي غزة في حربها الأخيرة –ديسمبر 2008
ويناير 2009.
ربما سيجد التحقيق الدولي حول
الهجوم الإسرائيلي على أسطول الحرية صدى لدى المجتمع الدولي، بحيث يمكن أن يختلف
الأمر مادام هناك طرف غير عربي قد دخل على خط الصراع، ويتعلق الأمر بتركيا التي
سحبت البساط من الأنظمة العربية المعروفة بدورها التقليدي في منطقة الشرق الأوسط،
ومادام هناك صوت عالمي علا بقوة مخترقا الحواجز الحدودية والنظامية، ليدين بشدة
الهمجية العسكرية الإسرائيلية المتواصلة بأشكال مختلفة ومتعددة.
إن فك الحصار عن غزة لا يمكن
أن يتحقق إلا بموقف دولي صريح وشجاع، أي بتدخل إنساني معلن وملزم. وقد سبق للمجتمع
الدولي أن اتخذ عدة قرارات في هذا الاتجاه تتعلق بحالات مشابهة للوضع الإنساني
المتأزم الذي يعاني منه قطاع غزة. نذكر هنا بالقرارات الأممية التي ألزمت الدول
المعنية بفتح ممرات إنسانية وبضرورة إيصال المساعدات الإنسانية إلى المتضررين من
الكوارث الطبيعية أو من النزاعات المسلحة. بالنظر إلى الحالات الإنسانية التي عانت
من النزاعات المسلحة في الكثير من المناطق التي كانت عرضة للمواجهات المسلحة
العنيفة، حيث تمت الدعوة إلى حق وواجب التدخل الإنساني، لماذا تستثنى غزة من
إلزامية حق أو واجب التدخل الإنساني؟
إن ما ارتكبته إسرائيل من
أعمال عدوانية في حق الشعب الفلسطيني يندرج ضمن الجرائم التي يعاقب عليها القانون
الدولي الجنائي والتي تختص بالنظر فيها المحكمة الجنائية الدولية (الفصل 8 من
اتفاقية روما لسنة 1998). لو أن الأمر حدث في مكان آخر من العالم غير فلسطين، لهب
المجتمع الدولي لفتح تحقيق دولي وإحالة مرتكبي الجرائم عن المحاكمة.
وعموما ما انتهجته إسرائيل
خلال الحرب على غزة، يدخل في إطار مخطط تم إعداده من أجل ليس فقط إضعاف حركة حماس
وإنما عزل الشعب الفلسطيني عن محيطه العربي وعن العالم وإكمال وضع اليد الفعلي على
ما تبقى من الأرض الفلسطينية. |