??ɠ???
محمد صوان
المقاربات التركية لأكثر الملفات أهمية!..

تضمن الاتفاق الأمريكي – البرازيلي – الإيراني الذي جرى إبرامه في أنقرة نهاية أيار 2010، مسؤولية تركية بالحفاظ على الكمية المرسلة من اليورانيوم الإيراني الضعيف التخصيب والبالغ وزنه «ألف ومائتي» كيلوغرام، ثم تحويله إلى يورانيوم مخصب لدرجة «20 %» على شكل قضبان تستخدم للأغراض الطبية والسلمية، وذلك خلال مدة أقصاها سنة.

لسنا هنا في معرض الحديث عن الاتفاق الثلاثي.. وهل سيؤدي إلى تخفيف التوتر حول ملف إيران النووي؟ خصوصاً وأن الاتفاق لا يطال إنتاج اليورانيوم المخصب، الذي طالبت مجموعة «5 +1» الدولية بتعليقه، ورفضته طهران، الأمر الذي ترتب عليه استصدار حزمة رابعة من العقوبات ضد طهران في مجلس الأمن الدولي تحت رقم 1929.

وسنتطرق هنا إلى الدور التركي الذي تضطلع به بكفاءة، عبر تصديها لمعالجة مشاكل المنطقة، والبحث عن حلول واقعية لها، رغم أنها ما زالت تعاني من مشكلة تمرد الأكراد لديها، والذين يستنزفون الكثير من الوقت والجهد التركي، والمال والجنود في الساحة التركية.

تركيا دولة غير نووية، ومثلها البرازيل، إلا أن تركيا أقدمت على تحقيق الاتفاق الثلاثي بعدما أخفقت جهود الغرب في إقناع طهران بالتخلي عن برنامجها النووي، وتحديداً وقف إنتاج اليورانيوم عالي التخصيب الذي يمكن جمع الكميات المنتجة منه بعد فترة زمنية لصنع سلاح نووي، ويقول البعض: « إن طهران ربما نجحت في خداع رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان والرئيس البرازيلي لولا دي سيلفا»، إلا أن الاثنين على جانب كبير من الخبرة السياسية، والدراية والنضج العقلاني، بدليل نجاحهما في إيصال بلديهما إلى أقصى درجات النمو والاستقرار واحترام المجتمع الدولي لهما، وستثبت الأيام إن كان الاتفاق سيمهد الطريق أمام إعلان الغرب عن خطأ ارتكابه فرض العقوبات المتدرجة على طهران، وبالتالي نجاح الأخيرة في استمالة الدولتين إلى جانبها.

لكن البيت الأبيض عبر عن تقديره للجهود التي بذلتها تركيا والبرازيل معتبراً الاتفاق «خطوة إيجابية، لكنها ناقصة» في حين قال القائد الأعلى لقوات الحلف الأطلسي الأميرال ستافريدس: «إن الاتفاق مثل لما نتطلع إليه جميعاً، وهو إطار دبلوماسي يشجع النظام الإيراني على الامتثال لإرادة المجتمع الدولي».

وتزامن نجاح تركيا بإبرام الاتفاق الثلاثي مع دورها في احتضان مؤتمر دولي حول الصومال في اسطنبول شارك فيه ممثلون عن «50» دولة و «12» منظمة إقليمية ودولية استغرق ثلاثة أيام، وخرج بقرارات تدعو إلى تقديم الدعم السياسي واللوجستي لبلد تمزقه حرب أهلية منذ ربع قرن، وتسببت في تحويل «3.5» مليون صومالي إلى لاجئين في عدة دول مجاورة وبعيدة، ولقد تعهدت تركيا بتقديم الدعم اللوجستي المتمثل في تدريب قوات صومالية على حفظ النظام، إضافة إلى تنفيذ العديد من المشاريع التنموية التي توفر فرص عمل جديدة لمئات الآلاف من العاطلين عن العمل، لكنها لن تشارك في المواجهات الميدانية ضد المتمردين من «حركة المجاهدين الشباب» الذين يحاولون الإطاحة بنظام الرئيس الشيخ شريف أحمد. ويمكن تشبيه الدور الذي ستقوم به تركيا في الصومال بالدور الذي تمارسه في أفغانستان حالياً.. حيث أن قواتها بعيدة عن الاحتكاك مع مقاتلي حركة طالبان السلفية.

وفي كلمته أمام «المؤتمر الدولي حول الصومال» في اسطنبول قال وزير الخارجية أحمد أوغلو: «إن تركيا افتتحت خمس سفارات جديدة في أفريقيا العام الماضي وأنها ستفتح ضعف هذا العدد خلال العام الحالي»، مما يعني أن تركيا تقوم بتوسيع انتشارها في القارة السمراء قبل أن يسبقها غيرها في استغلال «الدين» لمصالحه الخاصة، علماً أن هناك عدة دول إسلامية أفريقية شمال وجنوب وشرق وغرب القارة.

أما دور تركيا في البحث عن حل للصراع العربي – الإسرائيلي والقضية الفلسطينية، فلم يعد خافياً على أحد. فهي بعد أن لعبت دور وسيط في مفاوضات غير مباشرة بين سورية وإسرائيل، استغرقت نحو عامين، توقفت هذه المفاوضات إثر العدوان الإسرائيلي على لبنان عام 2006، وهجومها الوحشي على قطاع غزة عام 2009، وانتقاد أنقرة القاسي لممارسات إسرائيل العدوانية، مما زاد تدهور العلاقات بين أنقرة وتل أبيب، خصوصاً بعدما أهين السفير التركي في وزارة الخارجية الإسرائيلية.

كما استضافت اسطنبول في النصف الثاني من شهر أيار 2010 مؤتمراً دولياً يستهدف كسر الحصار الجائر الذي تفرضه إسرائيل على غزة، فشاركت في «قافلة الحرية» المؤلف من سبع سفن إلى جانب الجزائر، والكويت، واليونان، وماليزيا، وإيرلندا وغيرها، وانضم نواب من حزب «العدالة والتنمية» الحاكم في تركيا إلى «58» شخصية رسمية وبرلمانية وأكاديمية وسياسية أوروبية بمن فيهم «25» من أعضاء البرلمان الأوروبي.

وفي اسطنبول أيضاً عقد المنتدى العربي – التركي يوم 10/6/2010 الذي شهد إنجازاً غير مسبوق في مستوى العلاقات بين الجانبين العربي والتركي، حيث تم الإعلان عن تأسيس مجلس تعاون مشترك بين تركيا، وسوريا، ولبنان، والأردن للعمل على قيام منطقة تجارة حرة بين هذه البلدان، ورفع مستوى التنسيق الاقتصادي إلى آفاق أوسع.. وختم المنتدى أعماله ببيان أعلن فيه: «توحيد الإستراتيجية العربية والتركية تجاه حل الصراع العربي – الإسرائيلي، وملاحقة الكيان الصهيوني في المحافل الدولية لتجريمه في مجزرة «قافلة الحرية»، وتعهد رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان بتعزيز أواصر التعاون بين أنقرة، والبلدان العربية، ومقاومة «الأيادي القذرة» التي تحاول إبعاد تركيا عن العرب.

 

الدور القيادي الإقليمي

في مؤتمر قمة سرت العربية 2010، كانت كلمة السيد رجب طيب أردوغان مؤثرة وحماسية، تجاوزت بمضمونها الكلمات النمطية المعتادة، وكالعادة تبقي الجماهير أكثر تجاوباً مع الشعارات الواقعية والعقلانية، والأكثر نقداً لحالة الانقسام العربية والفلسطينية المدمرة.. وقد نجحت سياسة أردوغان النشطة في تعزيز الدور التركي ضمن الإطار الإقليمي في مسألتي الصراع العربي – الإسرائيلي، والنووي الإيراني، وتبلور الموقف بصورة أوضح في اتفاق طهران الثلاثي، الذي قوبل بفتور عربي لعدم انسجامه مع مطالب الوكالة الدولية للطاقة الذرية. ناهيك عن المجزرة التي ارتكبتها إسرائيل في أعالي البحار «قافلة الحرية» التي وفرت دفعاً قوياً لهيبة تركيا ودورها على صعيد الإقليم والعالم.

العلاقة الجدلية بين تركيا وطهران والقائمة على «التنافس والتفاهم» حقيقة لا يمكن القفز عنها، أو تجاهلها، لأسباب كثيرة، منها ما يرتبط بأوضاع البلدين الداخلية، والعقائد السائدة، والمصالح الاقتصادية، وطبيعة العلاقات المتباينة على المستويين الإقليمي والدولي.. لكن ومع تطور الثقل العربي « إن شاء الله»، وبالتالي ملء الفراغ الناجم عن غياب هذا الثقل في الوقت الراهن، يصبح اختراق أي من الدولتين «تركيا وإيران» على الساحة العربية محدوداً، عدا استثناءات معروفة، لهذا، لا ينبغي القلق من احتمال وجود تفاهم «معلن أو سري» بين تركيا وإيران.

ففي مرحلة المد القومي الناصري، تمكنت مصر من استقطاب طبقات وفئات وشرائح واسعة من الجماهير، بحكم التطلعات القومية التي كانت سائدة وقتئذ، وهو ما ليس متاحاً لتركيا للتحرك إلا على نطاق «الحركات الإسلامية». وإذا ما حدث هذا وفق أسس «الدعم والرعاية»، فإنه سيثير تحفظات كبيرة لدى الحكومات العربية، كما هو الحال مع إيران، ويمكن أن تولد انعكاسات سلبية على صعيد العلاقات مع هذه الحكومات، بحيث لا تكون الحركات الإسلامية بديلاً لها، لأن الأخيرة تقع في كل الأحوال تحت سيطرة الحكومات، وهو ما يؤدي ربما إلى إيجاد مصاعب جديدة للمنطقة. إلا أن السياسة التركية في ظل قيادة حزب العدالة والتنمية أنضج وأعقل من الانزلاق نحو أية ممارسات تعكر أجواء التحالفات مع العرب.

سياسة التعنت والصلف التي تتبعها إسرائيل إزاء عملية السلام، وإصرارها على مواصلة الاستيطان، وبناء جدار الفصل العنصري في الضفة وغزة، وقضم المزيد من الأراضي، والتهويد المستمر لمدينة القدس، والإصرار على الاحتفاظ بهضبة الجولان السورية، ومزارع شبعا وتلال كفرشوبا اللبنانية.. جميع هذه العوامل وغيرها هي السبب الجوهري في عدم حصول انفراج على طريق العملية السياسية.. وتدرك تركيا أن بمقدورها أن تلعب دوراً مؤثراً ومهماً، وبالتالي تحقيق اختراق جدي وإيجابي على صعيد هذه الملفات، بدلاً من حصر الاهتمام في التفاصيل التكتيكية ذات المردود الإعلامي والدعائي، على أهميتها. إن تحقيق اختراق إستراتيجي على صعيد إنهاء الصراع العربي – الإسرائيلي، وحل القضية الفلسطينية يتطلب من تركيا أن تصبح - اليوم قبل الغد-  مركز التوازن والتنسيق والرافعة الإستراتيجية في أكثر المناطق أهمية.. والقرار الإستراتيجي المنتظر منها هو أن تكون بقدر ثقلها ومنزلتها الإقليمية والدولية، فتسحب صاعق التفجير الذي تلوح به إسرائيل، وتلغي جميع الاتفاقيات العسكرية والتجارية والاقتصادية معها، حتى تنصاع للإرادة الأممية، وتطبق قرارات الشرعية الدولية ذات الصلة بملف القضية الفلسطينية، وجميع الأراضي العربية المحتلة عام 1967.
 
 

 

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½

2003-2007