??ɠ???
محمد صوان
نقلة نوعية في دور تركيا الإقليمي والدولي!

المتتبع للتجربة التركية، سواء على صعيد السياسة الداخلية أو الخارجية، ومنذ وصول حزب العدالة والتنمية للسلطة عام 2002، يلحظ أن غالبية الأفكار والتوجهات التي تتبناها الحكومة، إنما هي مستوحاة من كتاب المفكر الإستراتيجي ووزير الخارجية الحالي أحمد داود أوغلو، الذي يحمل عنوان: «العمق الإستراتيجي: مكانة تركيا الدولية»، وهي ليست أفكاراً وتوجهات مستحدثة على الإطلاق، سواء فكرة تحسين العلاقات مع دول الجوار، وتوسيع الدور الإقليمي التركي.. فيما أُصطلح البعض على تسميته بـ «العثمانية الجديدة»، أو المصالحة مع التاريخ العثماني، وخلاف ذلك.

جفاء وتوتر تركي – إسرائيلي

بخصوص العلاقات التركية – الإسرائيلية، فقد شهدت توتراً ملحوظاً ومتنامياً خلال السنوات القليلة الماضية، تجلت ملامحه في مظاهر عديدة أهمها: تجميد عمليات التنسيق والتشاور في مجالات الاستخبارات، ثم إلغاء أنقرة مناقصات وعقود كانت قد أبرمتها مع إسرائيل حول تحديث طائرات ودبابات تركية، فضلاً عن صفقة أخرى في مجال الأقمار الصناعية، وإلغاء المناورات العسكرية الجوية السنوية المشتركة التي يطلق عليها «نسر الأناضول».

وكان من شأن ذلك التوتر أن عزز من أجواء عدم الثقة بين أنقرة وتل أبيب مؤخراً، حيث جنحت الأخيرة إلى ابتزاز الأولى، إذ لم تتردد إسرائيل عن مساومة تركيا ضمناً على الملفين «الأرمني والكردي»، حينما أعلن أحد قادة إسرائيل – بعدما حصل في إحدى ندوات "منتدى دافوس" عام 2009، وما تلاه من ملاسنات بين تركيا وإسرائيل، على خلفية عدوان الأخيرة على قطاع غزة – أنه «على تركيا أن تنظر إلى نفسها في المرآة قبل أن تنتقد إسرائيل»، وفي السياق نفسه، لوح اللوبي الصهيوني في واشنطن بتحويل جهوده في قضية الأرمن إلى غير مصلحة تركيا، إذا ما استمرت في تصعيدها للتوتر مع تل أبيب، وبعد أن عرض التلفزيون التركي مسلسلاً يظهر المجازر الإسرائيلية في فلسطين، اندلعت تظاهرات في تل أبيب عند السفارة التركية، رفعت خلالها «لافتات» تندد بما يسمى «مذابح الأتراك ضد الأرمن والأكراد». كما هددت تل أبيب بنشر وثائق سرية تثبت - حسب الإدعاء الإسرائيلي- أن "تركيا نفذت مذابح ضد الأرمن".

وقد أثار نتنياهو الأزمة مع تركيا، خلال لقائه نظيره الإسباني ثباتيرو، في إسرائيل خلال زيارة الأخير إلى تل أبيب، وأكد له نتنياهو أن «المشكلة مع تركيا تكمن في أن حكومة العدالة والتنمية تتجه نحو الأسلمة والارتباط بمحور الشر». في إشارة إلى "إيران وسورية"، كذلك أعلن نتنياهو مؤخراً أن «إسرائيل تريد الاستعاضة عن الوساطة التركية في المفاوضات الجارية مع سورية، بأخرى فرنسية»، وإلى أبعد من ذلك، ذهب نتنياهو حينما شن حملة تحريض – بالتنسيق مع بعض العواصم الأوروبية – شرسة ضد تركيا، متهمين إياها بالسعي لأسلمة المجتمع التركي، وعزله تدريجياً عن الغرب وإسرائيل، توطئة للزج بتركيا في أحضان دول راديكالية كـ «إيران وسورية»، وذلك في محاولة من تل أبيب لتفخيخ العلاقات التركية – الغربية، على النحو الذي يحمل حكومة أردوغان على مراجعة سياساتها حيال إسرائيل والمنطقة.

وفي أسرع رد فعل على تلك الحملة، هرعت الولايات المتحدة الأمريكية إلى التعبير عن قلقها من التقارب التركي الوثيق مع إيران، والذي ارتأت أنه يتعارض مع مساعي واشنطن لعزل إيران وتشديد العقوبات ضدها بسبب برنامجها النووي، وفي ذات السياق، بدأت مراكز البحث والفكر الأمريكية تثير الشكوك بشأن نوايا حكومة أردوغان في المستقبل، في ظل «تماديها في مجافاة إسرائيل»، والتودد إلى إيران وسورية، متسائلة حول احتمالات تحول تركيا إلى دولة راديكالية في ظل حكومة العدالة والتنمية، التي بدأت تجنح باتجاه "دول مارقة" على حساب علاقاتها مع الغرب وإسرائيل.

التحول التركي في العلاقات الخارجية

من جانبها، نجحت حكومة العدالة والتنمية في تحقيق اختراق تصالحي ملموس في ملفات وقضايا معقدة ومزمنة، كـ «الأرمنية والكردية والقبرصية»، كما تمكنت من إيجاد خيارات أكثر جدوى للانطلاق والمناورة في العلاقة مع الولايات المتحدة وأوروبا، وهي الملفات والقضايا التي كثيراً ما ظلت تل أبيب تعتقد أنها مفتاح مهم من مفاتيح تسويتها، بما يرغم تركيا على التزلف لإسرائيل من أجل الحصول على دعم اللوبي الموالي لها في واشنطن بهذا الخصوص، لا سيما بعد أن تأكد للأكراد أنه ليس بمقدور أي طرف إجبار، أو حتى إقناع الأوروبيين بقبول تركيا عضواً في الاتحاد الأوروبي.

كذلك، أيقن الأتراك، بعد أن خاب أملهم في صدق نوايا تل أبيب فيما يخص تزويدهم بالتكنولوجيا المتطورة على الصعيدين المدني والعسكري، أن في وسع تركيا الحصول على تلك التكنولوجيا، التي كثيراً ما حرص الغرب على أن تكون "إسرائيل بوابتها" في الشرق الأوسط، بدلاً من أطراف أخرى كروسيا والصين، أو غيرهما.

ووسط هذه الأجواء المشحونة بالتوتر، أفسحت البراغماتية، التي تتمتع بها كل من أنقرة وتل أبيب كما المقاصد الإستراتيجية، المدعومة أمريكياً لعلاقاتهما.. الطريق أمام مساحة لا بأس بها، من التفاهم، توطئة لتجاوز تلك الموجة العاتية من التوتر، فبالرغم من استمرار التوتر وتجدد بواعثه ومسبباته، وبرغم تحميل كل طرف الآخر مسؤولية تصاعده، لم تكف مساعي الجانبين لتلطيف الأجواء، ووضع نهاية للتوتر القائم، حيث أطلق الجانبان مساعي معلنة وسرية على المستويين الرسمي والشعبي لإعادة المياه إلى مجاريها.

وتوخياً لتحقيق هذا الهدف، عمدت تل أبيب للسير في طريق موازية عبر استثمار بعض الألغام المزروعة في طريق التقارب التركي -  الإيراني، إذ يتهدد هذا التقارب وجود مخاوف متبادلة حيال الآخر، فمن جانبها، لم تهدأ مخاوف إيران جراء علاقات تركية الإستراتيجية بإسرائيل والولايات المتحدة، في وقت تشهد فيه علاقات طهران بكلتيهما تدهوراً ملحوظاً، كما يحظى تعاظم الدور الإقليمي التركي بدعم من إدارة أوباما، بينما تقابل مساعي طهران لبسط نفوذها في المنطقة بمساع أمريكية وإسرائيلية لتقويضها، فضلاً عن عودة أنقرة إلى التحليق مجدداً في فضاء ما يسمى بـ «العالم التركي»، الذي تنازعها فيه إيران النفوذ في شطر حيوي منه، والمتمثل في آسيا الوسطى، والقوقاز، وبحر قزوين، والذي يشكل محور ارتكاز لأمن الطاقة العالمي، أما تركيا من جهتها، وعلاوة على ما يثيره تقاربها مع إيران من قلق لدى التيارات العلمانية في تركيا فنرى هذه الأخيرة مثقلة بمشاكل وخصومات مع إسرائيل والغرب بالقدر الذي يهدد بتعكير صفو علاقات أنقرة مع تلك الدول ينتاب الأتراك جميعاً قلق من تعاظم النفوذ والحضور الإيرانيين في العراق، في الوقت الذي يبدو فيه نفوذ تركيا هناك غير متناسب مع مصالحها وتطلعاتها الإقليمية حياله، خاصة أن دور التركمان، حلفاء تركيا، الأقل عدداً وثقلاً في العراق، بسبب «التضييق الكردي» عليهم، لا يقارن بنفوذ «الشيعة الموالين لإيران».

إنهاء التبعية في ميدان الطاقة

على الرغم مما تبديه تركيا من تفهم للمقاصد المدنية للبرنامج النووي الإيراني، تشكل الطموحات النووية الإيرانية مصدر إزعاج حقيقي لتركيا، من عدة جهات، فمن جهة، إذا تسنى لإيران إنتاج سلاح نووي، عبر «صفقة سرية» مع واشنطن، فمن شأن ذلك أن يخل بالتوازن الإستراتيجي الذي يعد الدعامة الرئيسية لاستقرار العلاقات بين أنقرة وطهران، مما قد يدفع أنقرة هي الأخرى إلى إعادة النظر في حيادها النووي، خاصة أنها دولة غير نفطية، ولديها طلب متزايد على الطاقة، ولم يعد ذلك الخيار مستبعداً على الأتراك، الذين بدؤوا التفكير جدياً في الأمر بعد ساعات من إعلان إيران نجاحها في تخصيب اليورانيوم، حينما أعلنوا اختيار مدينة «سينوب» على البحر الأسود موقعاً لإقامة أول المفاعلات النووية التركية، من بين ثمانية مواقع جرى اقتراحها لإقامة مفاعل نووي تركي من أصل ثلاثة تسعى تركيا لإقامتها، توطئة للخروج من إطار «الدولة المستودع» للذخيرة النووية الأمريكية، وإنهاء حالة التبعية في ميدان الطاقة للدول النفطية المجاورة. ومن جهة أخرى، سيضع عدم نجاح إيران في إبرام صفقة مع واشنطن، تخولها امتلاك السلاح النووي، تركيا في موقع لا تحسد عليه، إذ ستدخل مرة أخرى في دوامة جديدة من الجدل، حول السماح أو عدم السماح، بتسخير أجوائها وقواعدها الجوية، لأي عمل عسكري، ربما تحاول إسرائيل، أو الولايات المتحدة أو كليهما معاً القيام به ضد المنشآت النووية الإيرانية.. الأمر الذي يحمل في طياته احتمالات توتر إضافية في علاقات تركيا مع واشنطن وتل أبيب، على غرار ما جرى في عام 2002 إبان الغزو الأمريكي للعراق، ومن جهة ثالثة، ستضطر تركيا لتحمل التبعات الأمنية والسياسية والاقتصادية الجمة لمثل هذا العمل العسكري ضد إيران، حالة وقوعه، أي في حال وصول المفاوضات مع «الستة الكبار» إلى طريق مسدود.

أما على صعيد العلاقات التركية – السورية- العراقية، فإنها، وعلى الرغم من تقدمها، فلا يزال هناك الكثير من القضايا التي بحاجة إلى حل، كقضية الحدود، وقضية الإثنيات، غير أن قضية مياه دجلة والفرات تظل الأهم من بينها، لا سيما وأن حكومة العدالة والتنمية لم تدخل أية تغييرات إيجابية ملموسة على «الإستراتيجية المائية التركية»، والقائمة على زيادة حصص الدولتين «سورية والعراق» من المياه بشكل رمزي ومحدود لا يرقى إلى حصصهما القانونية، مثلما لا يلبي احتياجاتهما منها، بقدر ما ترمي إلى مساعدتهما وتأهيلهما لتحري السبل والوسائط الكفيلة بتحقيق الاستثمار الأمثل والأكثر جدوى لتلك الحصص، القائمة بالفعل من دون إعادة النظر فيها، حسبما تقضي المواثيق والأعراف والقوانين الدولية، التي تنظم آلية استثمار المياه بين الدول المشتركة في بحيرات وأنهار دولية، كدجلة والفرات، وما شابه.

بكل الأحوال، لقد أفضى تقارب أنقرة مع كل من دمشق وبغداد وطهران إلى نشوء توازنات جديدة في حسابات القوى الإقليمية المختلفة، وبالتالي أحدث هزات ارتدادية طالت تل أبيب، التي تعتبر أكبر المتضررين من السياسة التركية الخارجية الجديدة.

 
 

 

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½

2003-2007