|
ترجعين ثانيةً عندما
تولدين كلّ ثانية، مثل حكايتك التي ولدت في أحشاء قلبي يوماً ما، في مكانٍ تحوّل
إلى مكانة، وفي لحظةِ ليلٍ لا يشبه ما قبله، بل ما بعده، لن يكن يتيماً بين
المساءات، ولم يعد يملّ الإشراق أبداً. يسطع في مرآتي التي غسلتها ومضاتٍ مرتعشةٍ
في بؤبؤٍ بلونِ القهوةِ العربية، يشير نحو الإتجاه المستحيل، والأجمل.
أكتب ولادتك فيسقط
القناع الأسود عن عينيكِ، وينسحب الغموض تدريجياً من ساحاتِ وجهك، صراع مرير بين
وجع وحلم، حين نستطيع أن نقبض على نورك السريّ اللون، والسّحريّ الطّعم، على أهازيج
الجفرا وهي ترقص مثل نحلةٍ ذهبيةٍ في يبادر عينيك، تتمايل مع السّنابل كأنّها
ينبوع يترقرق في مرج مقلتيك.
على وقعِ المساء
اختلط الدّمع كلوحةٍ مائيةٍ، تنساب كزهرِ الحنون في رياح الخماسين، ينبعث صدى لحن
عذب مثقل بالجراح كي يداعب أوتارنا النائمة، يصدح مثل نشيد الرّوح وبين اضطراريين،
من أمامنا ومن خلفنا، نقتلع بقوّة الاضطرار ونظلّ شتات الاضطرار الطويل في مسيرة
الفراغ الدائم .
المفرّ على قارب
ينقلب بين وسادتين، واحدة انتشت خمراً من جبال الأحزان، فغادرت الرّطوبة أطرافها
الباردة. وأخرى ارتوت بدمع ليليّ تجمّع في وادي الجنون، لتحترق بغربةٍ من نار، تصول
في ممرّات الأوردة الضّيقة.
ذات مساءٍ قريب،
استعادت جفرا روحها مع مطٍر ينقر على زجاج النافذة، امتشقت بعطشها ذاك المخاض
المشتهى فكان جنينها يلعب « الغميضة » مختبئاً في الطرقات االمسيّجة بمتاهات لا
نهاية لها ولا هدف.
وجدت نفسها قبل أن
أجدها! عثرت على رمشها مقيّداً في بيتِ عنكبوت، احتلته الخيوط القاتلة لزمنٍ ما،
وقيّدته في زاويةٍ معتمةٍ داخل زجاج القلب الصّغير .
ما قبل المساء، كانت
جفرا الهاربة من نفسها إلى ضياعها المتواصل، أبكي حيرتها في نحيبٍ مخيفٍ كأنّه عواء
ذئبٍ ينهش في خلايا الرّوح، جائعاً في غابةٍ مقفرة، أرعبني ضلال الملائكة، وصلاة
العفاريت في محراب الفراق، فبتّ قعيداً يعدّ الدقائق لعودتها . لا ملل في العشق يا
جفراي، ولا حتى إذن مسبق في الكلام، هو ذاك البوح الذي يندلق كشلال من قمّة عاليةٍ
نحو منحدرٍ يتعطّش للخصب.
بعد جفرا، أن أكون
وفيّاً لسرّها الجميل وهائماً كنيزك يسبح في فضاء هلاميّ يقيم فيها ولو غابت،
ويحضر لها ومعها حاملاً حقيبته اليومية المليئة بالحكايات، كي يقصّ على مسامعها
سيرة الثّورة الأولى وهي تأبى النّزول من علياءِ المكان .
أحتفي بجفرا زفافاً
مخضباً بالحب وحادّاً كنصلِ السيف، أحاول أن أقطع وريد الهجر وأزجّ عنق الصّمت.
كي تبقى رمز العطاء والجمال والثورة، والذاكرة والقلب غير القابل للكسر.
أعطتني شفافية
قلبها، فرصدت بعناية كلّ حركته الساكنة، باح الكبت بدقّات قلبها فلم أكتب إلاَ
اختلاجات الضّياع، ومعاً نسير على درب الحلم كي يصير ممكناً، علّنا نعثر على لغزنا
الواحد، إن لم يكن في السماء، فهو حتماً فوق الأرض أو تحتها. ستبقى تسكن بغير بلد
وتستوطن كل القلوب، حتى نعثر على أنفسنا، وندلي بأحلامنا على كرسيّ الاعتراف، في
هيكلٍ قدسيّ.
جفرا... كم يشبهك
المخيّم فدائياً، يفرّط بالعشق ولو قليلاً، وبالانتظار والصّبر كثيراً، وما تطرّف
في الغناء وأدمن القتال إلا كثيراً، ذاك الضّحية الشّاهد على الفقدان، لأنه يهفو
إلى وطن الجفرا ... جليلها حريّ بفخامة الشوق وجلالة التعب، وبأنّنا ما زلنا
معاً، يحتوينا الموج الأزرق، يوم لفظتنا المدن و غادرنا الغربة القديمة إلى غربة
جديدة، وخيمة من خيط الكتان إلى أخرى من حديد برّاق وأكثر حداثة. مثقلين بالأسماء
العادية والحركيّة لنصير أرقاماً وأحرفاً ورموزاً أجنبيّة، وخطوطاً مائلةٍ تقطع
نسيجنا بكل ما في الكلمة من ألفة.
عذراً يا جفراي،
تلحّ ملائكتي عليّ بأن أغفر الخطيئة، طقوسك التي فككتها، تحلّلت معها كلّ الرّواسب
الكلسيّة العالقة على ضفافي المتصدعة. يوم كان التاريخ ينام على وسادة الفراق،
ومحكمة القلب تمنحك البراءة من دمِ الوقت المهدور، فالمساء يعيد ترميم شظاياه
المبعثرة ساعة التماس الحنين .
أنا أنهيت الحكاية
مؤقتا، لكنّي مازلت أرتكب "معصية" عشق الحرية و"جناية" الحلم بكامل ما في
الإنسانية من معنى، لن أرحل عنك بعيداً، حتى أجيب عن سؤال محوري : من الأقوى في
"المبارزة الكبرى" الإرادة أم الحلم ؟ ولمن ستكون الغلبة ؟ وعدك سيتجدّد في السؤال
الشّائك و درب الإجابة الشاقّ ..وإنّي لن أرهن الحلم المستحيل لوهمٍ اسمه الممكن
.. وأن أهرب من السؤال إن استعصى عليَ الجواب . سأبقى على الدرب والوعد والسؤال.
هو وعد جفرا، لغزها
الجميل الذي لن يسقط في قبضة الغياب. نعثر عليها ...على وعدها ولغزها...نعثر يوما
على عشقها وحلمها. ولكن الأجمل أن تعثر هي على الغاية التي في نفسها وفي نفس كل
واحد منا.
|